د. فالح العجمي

اللهم عجِّل لنا اتحـادنا !

تذكّرت مقولة صاحبي الذي نقل في زمان مضى حوارًا دار بين اثنين من المصلين خلف أحد أئمة الصحوة أيام طفرتهم.. وكانت خطبة الإمام وتحذيراته تصبُّ في تخويف الناس من الاشتراكية، وخطرها على الدين والمجتمع والبلاد والعباد. فتساءل أحدهما: (يا أبو صالح! هالحين وش هي الاشتراكية اللي يحكي عنها؟) فردّ الخبير عليه: (هذي اللي تصير أنت والراجحي مثل بعض). فصاح به: (يا زينها! نبي الاشتراكية ذي). وربما صاحبنا لا يعلم أنه قد تكون الأمور معكوسة؛ فيصبح الراجحي مثله، لا أن يصبح هو مثل الراجحي. ما ذكّرني بتلك القصة هو الأماني الحالمة التي عصفت ببعض أصحاب النوايا الطيّبة بعد التفكير بتحويل مجلس التعاون إلى اتحاد بين دوله الست.. ونواياهم – كما عبّروا عنها – تتفق مع رغباتهم في وحدة هذه الكيانات المتجانسة، لتكون أكثر قوة من جهة، ولتكامل هذه المجتمعات الخليجية، وإفادة بعضها من تجارب بعضها الآخر في التنمية والقضاء على معوّقاتها من جهة أخرى. وفي هذا بالذات تكمن القصة؛ إذ نردد باستمرار: لماذا ينجح أشقاؤنا في الخليج – رغم كونهم أكثر حداثة – فيما نعجز عنه من أمور بسيطة؛ تتعلق ببناء المدن وإنشاء الخدمات اللازمة بكلفة معقولة وسرعة واستمرارية؟ وهي أمور لا نحسبها عويصة، لكنها تمثل عندنا مشكلات مزمنة، يشتكي منها الناس في المدن الكبيرة والصغيرة، في الريف والساحل، في الجبل والسهل.. وتتوزع تلك الأزمات على التعليم والصحة والنقل والسياحة والتجارة، وحتى الثقافة وفروعها مليئة بالأزمات.لماذا ينجح أشقاؤنا في الخليج – رغم كونهم أكثر حداثة – فيما نعجز عنه من أمور بسيطة؛ تتعلق ببناء المدن وإنشاء الخدمات اللازمة بكلفة معقولة وسرعة واستمرارية؟ وهي أمور لا نحسبها عويصة، لكنها تمثل عندنا مشكلات مزمنة..فهل اتحاد دول المجلس ستحل لنا هذه المشكلات؟ تجارب دول الخليج الأخرى في هذا المجال مشهود لها بالنجاح والتميّز.. فقد كانت الكويت منذ الستينيات الميلادية مثار إعجاب لكثير منا؛ عندما نزورها، ونجد – على سبيل المثال – مسارات ضخمة بين اتجاهات الشوارع المختلفة مخصّصة لتمديد الخدمات وتوصيلها وصيانتها، دون الحاجة إلى حفريات ترهق الناس بالغبار والضجيج وروائح الأسفلت بعد الحفر وإعادة الردم، وتضييق الطرقات لفترات طويلة.. ثم تعود شركات أخرى وتحفر الموقع نفسه، وكأنها على موعد مع الإزعاج الطويل المدى لسكان أغلب أحياء مدننا.. بل إن الناس يستبشرون بتلك الحفريات؛ لأنها تعني وصول الخدمات – أو بعضها - إليهم؛ وتصبح علامة لوصف المنازل.. بل الأغرب في هذا المجال ما كنت قد سمعته مرة من تحديد سنوات ولادة الأطفال على حفريات مزمنة: ولدنا فلان مولود في سنة توصيل أبراج الكهرباء، وفلان في السنة التي تمّت فيها حفريات الهاتف... إلخ. أما دبي فقد بهرت السعوديين بتنظيمها السياحي أولًا، ومهرجاناتها المليئة بالفرح والبساطة والخلو من المنغصات، ثم استقطابها جامعات عالمية؛ فتحت فروعًا معترفًا بها من الجامعات الأم ثانيًا. وأخيرًا أسكتت المردّدين لعبارات جوفاء بأن الخليجيين غير قادرين على تنظيم مواصلات حديثة وسهلة بتدشين محطات مترو؛ سهّلت الحركة بين أنحاء الإمارة المختلفة، وأنعشت الاقتصاد الذي يستفيد من سرعة الوصول إلى مواقع العمل وقلة كلفته. ولم تكتف بهذا، بل جذبت كثيرًا من الاستثمارات الخارجية؛ فبعد أن وضعت بنية تحتية منافسة لما في الشرق الأقصى، وأردفت بنظام أمني، وبيئة سياحية صديقة لكل الثقافات، أصبحت محط أنظار كثير من شركات العالم ونجوم الفن ومنظمي المؤتمرات والأندية الرياضية العالمية، مما جعلها تتحوّل كليًّا عن الاعتماد على الاقتصاد الريعي. وكذلك الأمر في أبوظبي التي أخذت تنافس سابقتها باستقطاب الجامعات والمتاحف والمراكز الثقافية العالمية، بل وتنشئ اقتصادًا جديدًا معتمدًا على الطاقة النظيفة. فكانت بسبب جهودها في هذا المجال مركزًا دوليًّا اعترف به العالم، وأصبحت مدينة "مصادر" هي النموذج العالمي.وفي معرض حسم الإجابة عن السؤال المطروح أعلاه يأتي مصدر شفقتي على أولئك الطيّبين، وتأتي أيضًا جوانب المقارنة مع قصة توضيح مصطلح "الاشتراكية" على افتراض أن طريقة التغيير ذات اتجاه واحد.. فعلى غرار الخيار الآخر أعلاه، يمكن لنموذجنا في التعامل مع ظروف التنمية أن يسود في دول المجلس، وما تجربة تأثر الكويتيين بنا خلال أزمة احتلال الكويت عنا ببعيد؛ فبدلًا من أن نستفيد من تجاربهم السلسة في تنمية بلدانهم، يتعثرون هم في البناء والترسية والخدمات بأثر منا.. وهذا منطقي، لكوننا الكتلة الأكبر في ذلك الاتحاد المراد تكوينه، والذي تحلم مجتمعاتنا بتسهيله بعض القضايا؛ أقلها النقل السريع والخدمات السهلة للجميع.