حين انكشف الغبار
روي عن ابن مسعود «خَالِطِ النَّاسَ وَدِينَكَ لَا تَكْلِمَنَّهُ...».. لا أجد أن المسلم في حاجة إلى هذا القول مثله اليوم، فإن المواقف والأعراض تتشكّل وتتلون وتتموّه في عصر كثر فيه الحربائيون، حتى ليقف المرء حيران؛ فما يدري ما يقول، ولا ما يفعل!! إلا أن تكون له قاعدة مكينة من إيمان راسخ، ويقين عظيم، لا تهتز له شعرة واحدة من جسد إسلامه، مهما كان الموقف، {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}. وهنا سيعتز المسلم بموقفه، وإن تسبب له في حرج ما، وسيكون ضمن تاريخه الوضيء، وإن أظلمت به الدنيا في لحظة ما، فجراح الجسد تلتئم، وجراح الدين ليس لها التئام.وكرامة الفرد كرامة أمة، لذا يجب أن تبقى محفوظة لا يُسمح بالمساس بها أبداً، فضلاً عن الاعتداء عليها من أي إنسان آخر كائناً من كان، إلا بحق الله تعالى، ومن واجب الدولة العزيزة أن تهبّ لنصرة من تمسّ حياته وأمنه ولو كان فرداً واحداً، وتقضي الحِكمة بأن تكون الحماية محروسة بضوابط الشريعة، فلا تتعدّى قانون الولايات، وأحكام التغيير الواردة في حديث «من رأى منكم منكراً...»، والمسلم أحق الناس بالحكمة، فلا يتهوّر، ولا يندفع، ولا يتسبّب فيما هو أشد سوءاً وخطراً.وقد يكون الاعتداء على حدود العقيدة أو الشريعة، أو الدولة التي تحرسهما اعتداء فكرياً إعلامياً، فإن الحرب الحالية حرب رقمية، تضخّ من خلال أجهزتها الدقيقة المحمولة منها والمنصوبة أمام الأعين ما يزلزل العقائد، ويرجّ السلوك رجَّ البراكين، ومقارعة ذلك واجبة على أهل الأقلام والمنابر.لقد كان بعض المتصدّرين لحرب التغريب ـ منذ اندلاعها ـ معركة قاصرة على الواجبات الشرعية الخاصة بعفاف المرأة وقرارها في المنزل، حتى انشغل بعض أهل الحِل والعقد بذلك عن بناء المرأة وتأهيلها لتكون أمّاً ناجحة، وقائدة مُبدعة، وكاتبة مجلية، ومحاضرة مؤثرة، وطبيبة حاذقة، حتى إذا انجلى غبار المعركة، تبيّن أن المكاسب أصبحت تحمل معها الخسائر، وأن التركيز على طرف واحد من أطراف بناء الشخصية التي كان مأمولاً منها أن تتحمّل المسؤولية الاجتماعية كان خطأ متوارثاً، وكنا نظن أننا نبني البيت كله، فتبيّن أن البناء كان في السور فقط، وحين دخلنا لم نجد شيئاً، لم نجد شيئاً.. فهل آن الأوان للالتفات إلى المرأة لمنحها الفرصة لتكون شريكة للرجل في بناء أسرتها بناء علمياً مهنياً، وشريكة له في بناء المجتمع، وهي في غاية الاعتداد بشريعة ربها، وفي أوجّ تمسّكها بدينها، وفي أبهى صورة من نقاء الذيل، وعِفة الجسد، وعُلو الروح؟! لقد آن الأوان.. فقد ضاع وقت طويل لا يتحمّل أن نمدَّ صلبه، ونزيد من حجمه.وإن من الوعي بالعصر معرفته كما هو، لا كما نتوقعه، ولا كما نحبّ أن يكون، إنه العصر الذي تتجدّد فيه الأفكار والأطروحات كما تتجدّد الثياب، فكان لا بد من مرجعية شرعية متوازنة، عالمة واعية، تقول الحق، وتضعه في نصابه، قال الله تعـالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [سورة النساء 4/83]. وهنا تغلق الأبواب في وجوه من يتصدّر بلا حق ولا تأهيل.