خليل الفزيع

عندما تتردى قيمـة الكتـاب

كان الحصول على الكتاب وإلى سنوات قريبة من الأهداف الصعبة المنال، يوم كان القارئ الجاد ينتظر بفارغ الصبر ما يصل إلى المكتبة القريبة منه، من كتب جديدة ليتلقفها بحفاوة، ولم يكن من المستغرب أن يتنقل الكتاب بين أكثر من صديق، وربما لا يعود إلى صاحبه عندما يقع في يد أحد المهووسين بالاستيلاء على كتب غيره من فرط حبه للقراءة، وربما قامت نزاعات وخلافات بين الأصدقاء حول كتاب معيّن ضاع دمه هدراً بين المستعيرين له لكثرتهم، وحرصهم عليه.ذلك زمن حكمته قلة المطبوعات، وصعوبة وصولها، وضعف الإمكانيات المادية لدى معظم القراء، فلم يكن مستغرباً حينها أن تعمر المكتبات العامة بالرواد على اختلاف اهتماماتهم الثقافية، كما لم يكن مستغرباً أن يكون سجل الإعارة مزدحماً بالأسماء التي تستعير الكتب لبضعة أيام، ليس من الدارسين والباحثين فقط، ولكن من هواة القراءة أيضاً، يوم أن كان الكتاب المصدر الوحيد للمعرفة والثقافة وزيادة الرصيد من الثروة اللغوية، والمتعة الذهنية، وارتياد آفاق الآداب والعلوم والفنون المختلفة. واليوم يعرض بعض المثقفين مكتباتهم الخاصة للبيع لأسباب أو لأخرى، فلا يجدون من يلتفت إليهم، وتحفل محلات الكتب المستعملة بأطنان من الكتب القديمة فلا يزورها إلا القلة ممن أصيبوا بداء جمع الكتب القديمة؛ وربما وقع بين يديك كتاب يحمل إهداء من مؤلفه لواحد من المشاهير أو غيرهم فتدرك أن من أهدي إليه هذا الكتاب لم يقدّر قيمة هذه الهدية فتركها تتسرب من بين يديه لسبب أو لآخر، خاصة إذا عرفت أنه ما زال على قيد الحياة، ولم يعد الكتاب الهدية يعني له شيئاً، وإذا كنت من المشتغلين بأمور الثقافة، فسوف تنهال عليك الكتب ذات الطباعة الأنيقة والإخراج الجميل ممن تعرف وممن لا تعرف من المؤلفين والمؤسسات الثقافية.. إلى جانب تلك الكتب المؤدلجة التي تروّج لأنواع من الفكر والثقافات المختلفة.تراجع الاهتمام بالكتاب له أسبابه الاقتصادية والتقنية والنفسية، ومن تلك الأسباب انشغال معظم الناس بهموم الحياة، وانصرافهم للبحث عن لقمة العيش في المجتمعات التي يتفشى فيها الفقر والجهل والبطالة، حيث لا يملك الإنسان من الوقت ما يعينه على الانشغال بالقراءة، ولمن يريد المعرفة أصبحت مصادرها أكثر يُسراً من أن يبحث عنها ما دامت تحاصره في كل مكان دون أن يسعى للحصول عليها.تراجع الاهتمام بالكتاب له أسبابه الاقتصادية والتقنية والنفسية، ومن تلك الأسباب انشغال معظم الناس بهموم الحياة، وانصرافهم للبحث عن لقمة العيش في المجتمعات التي يتفشى فيها الفقر والجهل والبطالة، حيث لا يملك الإنسان من الوقت ما يُعينه على الانشغال بالقراءة، ولمن يريد المعرفة أصبحت مصادرها أكثر يُسراً من أن يبحث عنها ما دامت تحاصره في كل مكان دون أن يسعى للحصول عليها، وذلك من خلال المشاهدات التليفزيونية والاستماع للإذاعات، وقراءة الصحف المتوافرة في كل مكان وبالمجان أيضاً، وبطبيعة الحال فإن المتاح بيُسر لا يلتفت إليه بنفس الحماسة التي يقابل بها ما لا يحصل إلا بصعوبة، فأنت لا تهتم بالشيء إذا أتى إليك بسهولة، بينما تحرص على الشيء الذي تبحث عنه فلا تجده إلا بجهد جهيد. اما الباحثون الجادون عن المعرفة فقد أتيحت لهم أيضاً من الوسائل ما لم يكن يخطر على بال من سبقوهم، حيث أصبح الاطلاع على أي كتاب متاحاً من خلال المكتبات الإلكترونية على الإنترنت، أو من خلال مواقع التسوّق عبر هذه الشبكة العنكبوتية العالمية في حالة الرغبة في الحصول على الكتاب ذاته، أو غيره من الكتب والمشتريات الأخرى، وساعدت وسائل النقل السريعة على اختصار المدة بين طلب الكتاب ووصوله. من كل ذلك يمكن أن نستنتج أن قيمة الكتاب تردّت، سواء من الناحية المعنوية أو المادية، فمن الناحية المعنوية أصبح من الملاحظات التي لا تحتاج إلى جهد لمعرفتها.. قلة الإقبال على الكتاب، وانصراف الناس عنه باهتمامات حياتية أكثر إلحاحاً، مما أثر على قيمته المادية خاصة في ظل السرقات التي تتعرّض لها أمهات الكتب على أيدي بعض دور النشر العربية التي تحوّلت إلى دور (نشل) تستولي على كتب الآخرين التراثية والحديثة، لتعيد طباعتها بأقل التكاليف، دون أية التزامات مادية تجاه مؤلفيها، ولتبيعها بأرخص الأسعار، كما هو مشاهد ليس في المكتبات التجارية فقط، بل وفي معارض الكتب التي يفترض أن يتم تنظيمها وفق معايير محددة تضمن التزام هذه الدور بحقوق الملكية الفكرية، مع ان معظم معارض الكتب طغت عليها الأجهزة والمواد الإلكترونية، والوسائل التعليمية، والمستلزمات المدرسية.  ورغم كل ذلك فما زال للكتاب عشاقه الذين يبحثون عنه في كل مكان، ويسافرون إلى معارض الكتب للحصول عليه، وهذا ما يعني أن الكتاب رغم تردّي قيمته المعنوية والمادية ما زال يحظى باهتمام عشاقه الذين يعتبرونه خير جليس في كل زمان.