محمد العصيمي

الفضيلة العربية الغائبة: «الحب»

أكثر ما فكرت به وتأملته وأنا أتابع تلك الحوارات والسجالات والمداولات العربية «الناشطة» هذه الأيام، لا سيما عبر محيط الإنترنت، ما تقذف به جماعة جماعة أخرى، وما يرمي به قوم وجوه قوم، وما تشنه أنفس على أنفس وما تحرق به فكرة فكرة أخرى.

لا يبدو أن أحدا يحب أحدا في هذه البلدان، التي ما أن يستجد فيها جديد سياسي أو فكري أو ثقافي،إلا وتحزم القوم هنا ليردوا كيد القوم هناك، وإلا شحنت وسنت سكاكين التسفيه والإلغاء والاتهامات والألفاظ المنفرة البذيئة والنابية. !!إليكم، على سبيل المثال لا الحصر، هذه القذائف اليومية التي جرى ويجري تداولها كل يوم: العلمانيون مفسدون.. المتشددون متخلفون.. الليبراليون أراذل وشذاذ آفاق.. الدعاة متنطعون.. الإعلاميون محاربون لله ورسوله.. الإسلاميون إقصائيون.. الشيعة متآمرون.. والسنة عملاء ومنافقون.. إلى آخره من الصفات والوصفات المجانية التي يطلقها الناس على بعضهم دون أن يبدوا أي استعداد للتوقف والنظر في الطريقة التي يعبرون بها عن آرائهم، أو يجرون بها حواراتهم، أو يزنون من خلالها ألفاظهم.

لدينا جرأة لا تدانيها جرأة على أن يلغي بعضنا بعضا بكلمة أو جرة قلم. وأكثر ما راعني وساءني كمواطن، محب لعالمه وأهله، أن يأتي أخيرا من يضع أمامنا بيده وعلى شاشة التلفزيون شارة القتللدينا جرأة لا تدانيها جرأة على أن يلغي بعضنا بعضا بكلمة أو جرة قلم. وأكثر ما راعني وساءني كمواطن، محب لعالمه وأهله، أن يأتي أخيرا من يضع أمامنا بيده وعلى شاشة التلفزيون شارة القتل. ما يجوز منك، وهو من حقك، أن تنصح وتوجه وتحذر من الوقوع في الفتن، التي نرفضها نحن جميعا الوقوع في منزلقاتها. والناس، بعد ذلك، لديهم عقولهم التي تميز وترجح رأيك على باقي الآراء، وربما يتبعونك وينتصرون لوجهة نظرك الراشدة المتعقلة. أما أن تصرخ بعلو صوتك مهددا بالقتل والتهشيم للرؤوس فهذه سقطة ما بعدها سقطة وجرأة على حيوات الناس ما بعدها جرأة. وليس هذا لعلم المتفوه بهذا التهديد، وعلم الآخرين من كافة أطياف المجتمع، ما نريد أن نبني سلامتنا الوطنية عليه، وإلا فقل على أوطاننا وعلى مكتسباتها السلام.منذ عقود ونحن نردد أن بلداننا، انطلاقا من ديننا وعقيدتنا، بنيت على التناصح والتعاطف والتسامح والمحبة، فأين هذه الصفات المكرورة مما فعلناه ببعضنا عبر هذه العقود وما نقوله ونفعله الآن؟ هل كان الأمر مجرد ترديد أقوال لا تتعدى الشفاه ولا ترقى إلى مستوى الفعل؟ ليست الأوطان حيازات ولا استثناءات ولاقوم دون قوم. الوطن للجميع، مهما تعددت المشارب وتفرقت السبل. أن تأتي وتقول إن الوطن مفصّل على مقاسي ولا يليق إلا بي وبأفكاري فهذا خطأ جسيم لن يؤدي إلى كلمة سواء.ولذلك ربما جاز أن نعتبر أن من دروس ما حدث ولا زال يحدث، أننا أمام فرصة تاريخية لنعيد قراءة علاقاتنا مع بعضنا مهما اختلفنا أو انتحى فريق منا طريقا غير طريق فريق آخر. ربما نتعلم مما يحدث بين الفرقاء العرب اليوم في كل مكان أننا بعيدون جدا عن الحوار البناء الهادف. حوار العقلاء الذي يهدينا إلى وطن مشترك نتقاسم فيه الحب والحياة والوجود وأسباب العيش الكريم. ولا أعتقد أن تحقيق هذه الغاية أمر مستحيل إذا نظرنا واستفدنا من تجارب مجتمعات نفضت عن نفسها غبار «التصنيفات» و «الإلغاءات» ليعيش أفرادها وجماعاتها أحرارا كرماء في ظل سيادة القانون الوطني، الذي يحكم الجميع ويضع فرص العيش والإبداع والنقد بالتساوي بين الجميع، ولتحقق هذه المجتمعات، من جراء ذلك، حضورا مرموقا على كل صعيد من أصعدة الوجود الحقيقي للدول الحديثة.للحالة العربية الراهنة وجوه سلبية عديدة، لكن وجوهها الإيجابية لا تحصر، فغير ما تحقق من التفاتات مهمة لمطالب الناس وحاجاتهم المغيبة لعقود طويلة، هناك أكثر من فرصة لقراءة هذه الأحداث في العمق لنتعلم منها ما فاتنا أن نتعلمه، وأهم ما يفترض أن نتعلمه هو أن نعطي لبعضنا، عن عقل وقناعة، حق الاختلاف وحق الحوار، وأن نسترد مع بعضنا فضيلة الحب الغائبة. حب كل شبر في الوطن وحب كل إنسان يعيش على أرض الوطن.