العمل والسكن.. أهم مكاسب المواطن
لكن ثمة قضيتين تقضان مضجع المواطن على اختلاف مستواه المعيشي، وعلى اختلاف اهتمامه بما يدور حوله من صراعات وتناقضات على جميع الأصعدة، حتى أولئك الذين تيسرت لهم سبل الحياة، لابد أن تعنيهما هاتان القضيتان بشكل أو بآخر، إلا من تبلد إحساسه الوطني، وأعمته الثروة عن مشاعره الإنسانية، هاتان القضيتان هما العمل والسكن، وما من مشكلة اجتماعية إلا ولها ارتباط وثيق بواحدة من هاتين القضيتين أو كلتاهما، فالعمل هو سبيل العيش الكريم، والسكن هو الباعث على الشعور بالأمن والاطمئنان، والدافع للولاء لأي مكتسب وطني والمحافظة عليه، وفي ظل العيش الكريم والأمن الاجتماعي يزيد الحرص على سلامة الوطن والدفاع عن مكتسباته، والإسهام في حراكه التنموي نحو الأفضل، وسعيه نحو كل ما يحقق له المزيد من المكاسب، على مستوى حرية الفرد، ومشاركة المواطن في اتخاذ القرار، وقدرته على محاربة الفساد، والتصدي لكل مظاهر العنف والغلو المؤديان إلى آفة الإرهاب، وما تجلبه من ويلات ودمار. البطالة عندما تضرب أطنابها في أي مجتمع، لابد أن تفرز من الأمراض الاجتماعية ما هو قابل للتفاقم مع مرور الزمن، فهي لاتعني فقط تعطيل قوة بشرية قادرة على العطاء والإسهام في التنمية، ولكنها تعني أيضا تهيئة المناخ لتفريخ أدوات الإرهاب على أيدي الفئات الضالة القادرة بوسائلها الخبيثة على تضليل الشباب، وخاصة الذين يشعرون أنهم لن يخسروا شيئا، لأنهم لا يملكون شيئا في الأساس، والعمل الشريف هو الوسيلة الوحيدة للعيش الشريف، وعندما يفقد هؤلاء الشباب لقمة العيش، ليحيط بهم الفقر من كل جانب، لن يمنعهم مانع من ارتكاب أي عمل مرفوض أخلاقيا ووطنيا ودينيا، والجائع لا يسأل من أين تأتيه لقمة العيش، والبطالة هي أقرب الطرق إلى الفقر بما يجلبه من جريمة وتحدٍ للقيم والمبادئ والأعراف.
البطالة عندما تضرب أطنابها في أي مجتمع، لابد أن تفرز من الأمراض الاجتماعية ما هو قابل للتفاقم مع مرور الزمن، وتكتمل كرامة المواطن بالسكن المستقر الآمن الذي يفترض أن يتاح له وفق ظروف ميسرة، ومن خلال أسعار مناسبة للأراضي، وشروط معقولة للقروض، وهذا ما لايمكن تحقيقه في ظل الأسعار الخيالية لأراضي البناء، وفي ظل شروط صعبة للقروض العقارية، وفي ظل نهم غير محدود لبعض أصحاب العقار الذين يرفعون أسعار الأراضي وإيجارات السكن بشكل لا يتناسب مع معدلات دخل الفرد، وهو دخل يبدده الغلاء الفاحش للمواد الاستهلاكية، هذا الغلاء الذي يمكن ضبطه لو اهتمت الجهات المسئولة بمراقبة الأسعار، والحد من جشع تجار أمِنوا العاقبة، فأساؤوا التصرف، دون وازع من ضمير حي، أو رادع من شعور إنساني، فلم يرحموا من في الأرض.. ليرحمهم من في السماء. بلادنا التي تعيش وفرة اقتصادية كبيرة، وتستقطب ملايين الوافدين للعمل فيها، كيف يعيش بعض أبنائها في ظل البطالة؟ وبلادنا التي فاض خيرها على القاصي والداني، كيف يعيش بعض أبنائها في ظل الفقر؟ وبلادنا التي تعيش في ظل الشريعة الإسلامية بعدالتها وحرصها على كرامة الإنسان، كيف يتفشى فيها الفساد المالي بهذا الشكل الكارثي الذي يذهب ضحيته آلاف المواطنين كما حدث في جدة، ويمكن أن يحدث في أية مدينة أخرى من بلادنا الغالية، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن هذا الفساد هو السر وراء كل مآسينا.. الفساد هو السرد في انتشار البطالة وازدياد معدلاتها لأن هناك من يرى أن تكلفة تشغيل المواطن أكثر من تكلفة تشغيل الوافد، والفساد هو السر في ارتفاع أسعار الأراضي الذي تتحكم فيه فئات معينة من أصحاب المخططات، الذين يبيعون الأراضي بأسعار ينوء بها كاهل المواطن، رغم اتساع رقعة بلادنا بصحرائها المترامية الأطراف، والفساد هو السر في غياب الانتماء الوطني لدى بعض المواطنين جراء ما يلاقون من إحباطات، وما يعانون من ظروف معيشية صعبة، لم يكونوا ليصلوا إليها لو توفر لهم العمل الشريف والسكن الآمن.حرص الدولة على تأمين العمل الشريف والسكن الآمن للمواطن، وبقرارات لا تقبل التأجيل، هو أول الطريق لتضييق الخناق على الفساد، وضمان أمن وكرامة المواطن، وازدهار وتقدم الوطن، فالعمل والسكن.. أهم مكاسب المواطن.