الكتابة على حائط إلكتروني
كل الحيطان أو الجدران تُبنى لتكون عازلاً يحول بين الداخل والخارج. مثل سور الصين العظيم الذي بُنيَ لحماية الحدود وصدِّ هجمات الغزاة، وكذلك هو الحال مع جدار برلين الذي شيّد ليفصلَ شطري برلين الشرقي عن الغربي، وليحدَّ من محاولات التسلل وكذلك التواصل. ولن يكون الجدار الفاصل في الأراضي المحتلة آخر تلك الجدران العازلة. شيدتْ تلك الجدران بدافع الخوف، ولم تشيّد بدافع الحب مثل جدران تاج محل؛ القبر الذي شيَّده شاه جيهان لحبيبته ممتاز محل.وقد أوحتْ الجدران للشعراء فأبدعوا قصائد هي عبارة عن تطلّعات إلى هدم الجدران الثقافية والاجتماعية والنفسية التي تعيق التواصل بين بني البشر.. وربما كان الشاعر قسطنطين كفافي يشير إلى جدران مشابهة عندما قال: “لديَّ أشياء كثيرة أقوم بها في الخارج فَلِمَ لم أحاذرْ حين أخذوا يبنون حولي الجدران؟ لم أنتبه إلى ضجيج البنَّائين.. كانوا غير مرئيين.. وأغلقوا عليَّ هنا بعيداً عن العالم”! أما الكتابة على الجدران للتعبير عن الرأي فتقليد قديم أيضا. نعم، تُبنى غالبية الجدران لتعزل، مع ذلك يمكن استثناء جدار المبرمج مارك زوكربيرج Mark Zukerberg ، خريج جامعة هارفارد الذي كاد يطرد من الجامعة بسبب انتهاكه حقوق التأليف والنشر. بدأ مارك رحلة الألف ميل الإلكترونية بخطوة واحدة قادت فيما بعد إلى إنشاء (الشبكة الاجتماعية) المعروفة الآن باسمfacebook ، وهو التّعدي أو التجاوز الذي استطاع، في نهاية المطاف، هدم جدران العزلة. ولأهمية ذلك النجاح، أنتجت هوليوود فيلماً بعنوان (الشبكة الاجتماعية). كان العنوان الآخر للفيلم عبارة تقول: “لا يمكن أن تحظى بـ 500 مليون صديق دون أن يكون لك بضعة أعداء”! وهي عبارة تلخص قصة النجاح الذي أحرزه مؤسس الموقع والعقبات التي وضعت في طريق ذلك الإنجاز، وإصرار مارك زوكربيرج على تحدي تلك العقبات واتخاذها جسراً للانطلاق نحو الهدف. كان هدف الموقع هو تحقيق رغبة مستخدمي الإنترنت في رؤية ما يفعله الأصدقاء وما يفكّرون فيه. فالمواقع الخاصة لا تحقق ذلك الهدف، وهي أشبه بجزرٍ معزولة لا يقصدها من المتصفّحين إلا قلة. أما هنا فلكلٍّ غرفته الخاصة به، ولكن ضمن البيت الكبير. غرفة يؤثثها الفرد بطريقة تعكس شخصيته وميوله واهتماماته وإبداعاته ضمن تلك الأسرة الكبيرة. يبقى ضمن المجموع ولكن كشخصية غير قابلة للذوبان. جمع مارك زوكربيرج في شبكته الاجتماعية أكثر من 500 مليون صديق، لكنه جمع أيضا ثروة طائلة أهَّلته لأن ينضم إلى شلّة البليونيرية، وقد أعلن مؤخرا التبرع للمدارس الحكومية في ولاية نيوجرسي بمائة مليون دولار. كما أهاب بالأثرياء الشباب أن يتبرعوا للأعمال الخيرية باكراً. وللحديث بقية.. لكن ينبغي، قبل ذلك، الاعتراف بألمعية مارك زوكربيرج الذي استطاع، بفكرته تلك، هدم جدران العزلة، وإنشاء جدران إلكترونية لها عيون وآذان. hsn_saba@hotmail.com