حسن السبع

تلك الصورة النمطية..

أشرت في مقال سابق إلى أن البلدان الغربية المضيفة قد بدأت، منذ 2001م تعيد النظر في قوانين وشروط الضيافة. كما أصبح كل الضيوف، بمن فيهم أولئك المسالمون الأبرياء، موضع شك وريبة. فالقوانين لا تستثني أحداً. ويستطيع القادم من الشرق العربي أو المسلم أن يستشف نظرة الشك والريبة حين يقلب موظف المطار في باريس أو نيويورك صفحات جواز سفره. لم تعد تلك الصورة النمطية القديمة للشرق كما كانت، فقد اختفت لتحل محلها صورة نمطية أخرى طابعها دموي. هكذا تلاشت صورة ذلك الشرق الساحر، شرق الخيال والشعر والموسيقى وقصص الحب وألف ليلة والخيام وابن سينا؟ وحلَّ محلها هذا الشرق الجديد بصورته النمطية الحاضرة. في كل صورة نمطية نزوع إلى التجزيء، أي إلى حصر (المنمَّط) في زاوية ضيقة، والنظر إليه من تلك الزاوية، والركون إلى النتيجة المتحققة وكأنها حقيقة مطلقة، وكأن الناس من هذه الثقافة أو تلك نسخة واحدة. ويمكننا أن نتفهم نظرة موظف المطار المتحاملة، فقد تكون معرفته متواضعة، ونظرته قاصرة، وأما ما لا يمكن تبريره فهو أن تكون مواقف بعض النخب الغربية من الآخر شبيهة بمواقف العامة، أو أن ينحرف الفن عن غاياته الجميلة فيساهم في تكريس المواقف المتحاملة، ورسم الصور السلبية.      يعبر الروائي الياباني  هيساسي إينووي عن تلك النظرة التجزيئية بطرح المثال التالي: حين يناقش الناس مشكلة الرز في اليابان فإنهم “يناقشون أسعار حبوب الرز فقط... وأنا لا أريد أن يتحدث الناس عن ريف اليابان بهذه النظرة الضيقة.. يوجد نبات الرز تحت حبوب الرز، وتحت النبات يوجد حقل الرز، الذي يوجد بدوره في منطقة حيث توجد فيها ثقافة، وتوجد أشياء كثيرة”! (العرب: وجهة نظر يابانية ـ نوتو هارا). ومرة أخرى، يمكننا أن نتفهم هذه النظرة التجزيئية التي تختصر الأشياء اختصاراً مخلاً، إذا ما تعلق الأمر بالرز. فالتاجر والمستهلك لا يفكران إلا في الأسعار، ولا تعنيهما عبقرية المكان، ولا نظرة إينووي الشعرية،. لكن الأمر مجحف إذا طبّقت تلك النظرة في الحديث عن البلدان والشعوب رغم ما لديها من تنوّع بشري وثراء ثقافي.  تتجاهل تلك الصورة النمطية الجذور التاريخية والثقافية للمجموع، كما تتنكر للاختلافات والتباينات داخل المجتمع الواحد والثقافة الواحدة. ولو عدنا بالذاكرة إلى ما قبل 2001م لوجدنا أن صورتنا النمطية السابقة، على ما فيها من تحامل وإجحاف، أفضل بكثير مما هي عليه الآن.  فكيف يمكننا أن نساهم في تشكيل صورة جديدة؟ ألا ينبغي أن نرتب البيت من الداخل أولا، ثم نبذل جهدا ثقافيا وإعلاميا وفنيا لشطبها من ذاكرة الآخرين؟ أليس من الأولى أن نعترف بمسؤوليتنا قبل أن نهجو المنمِّطين والمتحاملين؟ hsn_saba@hotmail.com