حسن السبع

الحماقة تعيد نفسها

هذا عنوان لا يدين التاريخ، ولا يعيب الزمان. فالتاريخ لا يعيد نفسه كما يقال. التاريخ أحداث ووقائع يصنعها البشر. وفي حين تنقل لنا كاميرات المراسلين صور شوارع أنيقة نظيفة مضاءة مشجَّرة، مزدحمة بالوجوه المشرقة المتفائلة. وعامرة بالحياة، نشاهد في حيّز جغرافي آخر طرقات مُتربة كحال أهلها الغارقين في المَتربة.

طرقات بلا أرصفة أو مصابيح إنارة. القمامة متناثرة هنا وهناك، ولا وقت لتنظيف وجه المدينة. النظافة ترف في مثل هذه الأوضاع والظروف. الأشجار مصفرَّة مغبرة أضناها الظمأ، لعلها من بقايا زمن سحيق، كان الماء فيه متاحاً للبشر والشجر. حلَّ العنف فرحل الماء، ورحلت معه الخضرة والرخاء. ربما تقاوم هذه الأشجار المريضة الحزينة الفناء. ربما تزامن حربا أهلية ثانية وثالثة. لتكون شاهدة على الحماقة والنسيان. صِبية تقطن الشارع. صبية حفاة شبه عراة ترتدي أسمالا رثة. وجوه كالحة وأجساد ضامرة كالهياكل. عيون تحدق في الفراغ.  الذباب يتجول فوق الوجوه مطمئناً. لقد ألف الوجوه وألفته. هذه إحدى مدن الأشباح الأربعة: الجهل والفقر والمرض والعنف. ولا صوت في مدينة الأشباح يعلو فوق صوت البندقية. المدارس صامتة. الأسواق كذلك صامتة، لا يوجد فيها ما يستحق الإعلان عنه. لا أناشيد، لا موسيقى، لا مسرح، لا سينما.. “لا حامض حلو.. لا شربت”! لا تستطيع الحماقة أن تبدع شيئا نافعاً. لا تستطيع الحماقة أن  تتجاوز كوابيس الدخان والخرائب والأنقاض ومخيمات النازحين.

لا صوت في مدينة الأشباح يعلو فوق صوت البندقية. المدارس صامتة .. الأسواق كذلك صامتة، لا يوجد فيها ما يستحق الإعلان عنه. لا أناشيد، لا موسيقى، لا مسرح، لا سينما.. “لا حامض حلو .. لا شربت”!   قطع الرصاص قولَ كل خطيب وأديب وفنان وناقد ومفكر. قطع الطريق أمام كل شكل من أشكال الحوار والحياة الكريمة. البندقية هي التي تصنع الحدث صوتاً وصورة. ثقوب بيوت الطين وأكواخ الصفيح شاهدة على الحماقة. ثقوب في الجدران. وثقوب في الضمائر والذاكرة. والحماقة تعيد نفسها دائما لتبدّد الثروات والطاقات.لا تستطيع الحماقة أن تمهد شارعاً. أو تفتتح حديقة. أو تبني مدرسة أو ترعى إنساناً فتجعل منه فرداً منتجاً. يمكن أن نهدي مرثاة هذه المدينة للدكتور إدواردو دي بونو مؤلف كتاب (الصراعات.. أفضل السبل لحلها) والذي يستعرض فيه وصفات علاج يعتقد أنها مفيدة لحل كثير من الصراعات الناجمة عن تصادم المصالح والقيم والأفعال والاتجاهات. فكتابه الساعي إلى استتباب السلام قابل للتطبيق في كثير من البيئات إلا تلك البيئات التي تسعى فيها الحماقة على قدمين. فأطراف النزاع في مثل هذه البيئات يصدق عليهم قول الشاعر “كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله”!  إنها الحماقة تعيد نفسها، أو يعيد صياغتها الحمقى الذين لم يستوعبوا دروس التاريخ. هنالك خط فاصل بين التفكير والحماقة. حيث الحماقة سلسلة من التمزقات والفشل وإساءة الحسابات. والجنون، كما يقال، هو عمل الشيء نفسه مراراً وتكراراً وتوقع نتيجة مختلفة!