محمد العلي
أهم ما طرحه المقال السابق هو السؤال عن أن هذه المفاهيم التي تحملها اللغة وتزرعها فينا أو التي هي نتائج لأسباب مر عليها التاريخ أو صنعها ثم تجاوزها ونسيها.. ثم تأهب لصنع مفاهيم أخرى.. كيف نعرف أن هذه المفاهيم صحيحة أو خاطئة؟نعرف ذلك: أولا ـ حين يتوقف التاريخ أي يتوقف (التفاعل الاجتماعي والصراع مع الطبيعة) عن الفعل. وهذا ضرب من المستحيل.ثانيا ـ أن نعرف الأسباب التي أنتجت هذه المفاهيم وما هي الأسئلة التي أجابت عليها في حينها أو الحاجات التي لبتها.. لنعرف أن هذه الأسباب هل ماتت جذورها أو أن فيها حتى الآن رمقا من الحياة.ثالثا ـ طرح السؤال: لماذا نشأت تلك الأسباب وتلك المفاهيم.. فلابد أنها نشأت من حاجة اجتماعية.. فما هي تلك الحاجة؟ لأن الحاجة هي التي تحدد قيمتها.. وهل هذه القيمة مستمرة حتى الآن أم لا.. ثم هل هي حاجة لفئة من المجتمع أم حاجة للمجتمع كله؟ وهل نحن الآن نعاني هذه الحاجة؟رابعا ـ ما هي الأسئلة التي يطرحها علينا واقعنا الآن.. هل هي ناشئة من تلك الأسباب أم من أسباب أخرى؟.لا شك في أنها من أسباب أخرى ولنأخذ أهم سؤال طرحه الواقع منذ قرنين «لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا» هذا السؤال لم يطرحه الماضي.. ليس في التراث كله مثل هذا السؤال.. ليس هذا وحسب.. بل إنه سؤال لا يخص ناحية واحدة من نواحي الحياة.. إنه شامل لكل الحياة المادية والفكرية والوجدانية.. الأمر الذي يعني أنه ليس سؤالا واحدا.. بل يتفرع إلى كل ما في لسان الحياة من الأسئلة.هذه حقائق بديهية.. فلماذا هي غائبة عن ذهنية مجتمعاتنا؟ إنها غائبة لانعدام (الوعي التاريخي) إننا منذ الغزالي إلى رعيله الجديد ننكر (السببية) أي ننكر فعل التاريخ ونكران فعل التاريخ هو الاعتقاد بثبات الأسباب وثبات نتائجها.ليس هذا وحسب.. بل هناك من يكبل ذهنية هذه المجتمعات ويقيم حولها أسوارا وسدودا.. ليس أطولها (سد الذرائع) الذي استنكره ابن حزم منذ قرون بل هناك ما هو أطول منه وهو الاستبداد الذي وقف عليه طويلا الكواكبي ذاكرا له أكثر من معنى.