مطلق العنزي

مطلق العنزي

القصة الدرامية المؤلمة التي حدثت في دار إيواء الفتيات في قرية طيبة للأيتام في المدينة المنورة.حيث ثارت مواجهة بين اليتيمات والمسئولات في الدار، وتدخلت الشرطة. وفي النهاية سجنت 16 نزيلة استعداداً لترحيلهن إلى دار في مكة المكرمة حسب ما نشر في الصحف.وأطلق في الصحافة صفة «شغب» على الحدث. ويبدو ذلك مقصوداً، لأن مدير الشئون الاجتماعية في المدينة المنورة والمسئولات في الدار هم الذين تصدروا المشهد وإمداد الصحافة بالمعلومات. فيما لم يسمع أي صوت للنزيلات لمعرفة الأسباب الحقيقية للحدث.وصور المشهد على أساس أن اليتيمات «شريرات» و«مشاغبات»، وهذه مسألة طبيعية لأنه لا يمكن أن تقول مديرة الدار ولا مدير الشئون الاجتماعية إن النزيلات كن يعانين من أوضاع بئيسة لحد الانفجار. لماذا لا تكون هذه الحقيقة ؟ مع أنه لا يمكن التشكيك بنوايا المسئولات عن الدار، بقدر ما يمكن الظن أن بعض اجتهاداتهن كان خاطئاً وضعيف الأداء، وغير مقبول إنسانيا وقد يتسبب في إهانة للإنسان،مع افتراض أنه يمكن أن تقدم فتيات (واحدة أو اثنتان أو ثلاث» على تصرفات سيئة وحمقاء. ولكن ما الذي جعل هذه المجموعة تنفجر وتقرر المواجهة بأي ثمن.جمعية حقوق الإنسان قالت: إن المسئولات سكبن الديزل على الجدران لمنع الفتيات من الهرب. وقالت الجمعية: إن ذلك مخالفة صريحة، ورصدت «تدني مستوى الخدمات المعيشية والإيواء» وغياب البرامج التأهلي ومتخصصات نفسيات.ويبدو أن الشرطة نأت بنفسها عن التصريح برأيها، كي تكون حيادية في قضية إنسانية تتعلق بيتامى، وقضايا اتهام اليتامى بأي جرم أو جنحة مسألة بالغة الحساسية في مجتمعنا.وأحيي مدير شرطة المدينة المنورة وضباطه وجنوده على هذا الموقف الكريم.مهما كانت الأسباب، فإن معاقبة النزيلات ليست حلاً رشيداً، والمعالجة الصحيحة التي كان يجب اتباعها، هو تغيير طاقم الدار فوراً من المديرة إلى الحارس، وبدء معالجة الموقف لإعادة الثقة بين النزيلات المتبقيات والدار. لأن الدار هي منزل اليتيمات وحياتهن ومستقبلهن وتسمع جدرانها كل أحلامهن وأمانيهن وحكاياتهن وآلامهن.وكان يجب تقدير ظروفهن ونفسياتهن، وأن إقدامهن على التجاوزات ربما كان بسبب أكبر من قدرتهن على التحمل، وتصويرهن على أنهن شريرات ومشاغبات من أكبر الآثام إذ لم يسمع صوتهن. خاصة أن إجراءات تطوير التأهيل للعاملات في الدار ربما قد تطول.وبديلاً من إيداعهن السجن، وعزلهن وعقابهن، كان يجب إحضار أخصائيات نفسيات، في الحال، للجلوس إليهن والاستماع إلى شكاواهن ومحاورتهن وتقويم أفكارهن الخاطئة أو السلوكيات الخاطئة، خاصة أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أعاده الله إلينا بكامل الصحة والعافية، هو الذي أرسى لثقافة الحوار مع الكل والتعاطي مع الأفكار والهموم للأفراد والمجموعات. بحيث يكون الحوار قبل العقاب. ونذكر نجاحات وزارة الداخلية، وعلى رأسها وزيرها صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، في انتهاج الحوار مع الضالين الذين تبلدت في أذهانهن الغيوم، فأنقذ كثيرون من لجة الضلال والظلام، فعادوا مواطنين صالحين يخدمون أنفسهم ويعزون بلادهم ووطنهم بأفضل ما يجتهدون.ولماذا لم يتم بدء حوار فوري مع يتيمات طيبة، والتعاطف معهن في مواقف وتخطيئهن في تصرفات ومن ثم التوصل إلى حل سعيد لهن ولمجتمع يطبق شعار «الإنسان أولاً».وترصوت اليتامى تغتاله جدران الأسوار العالية، وضجيج الشوارع.الحجب: رياح تهب، وتغاريد أفراح الجوار.اليتامى يبثون حكاياتهم للجدران، ومهاجع يلفها السكون.كائنات مؤقتة على دقات الساعة: النوم والصحو والفطور واللهو والضحك والغضب.malanzi@alyaum.com