محمد العلي
النطق يدخل، منذ فجر الفلسفة، ركنا (نوعيا) في تعريف الإنسان وتمييزه عن سائر الأحياء.. وهو يتعلم اللغة تلقائيا من محيطه الاجتماعي.. ولكن السؤال هو: من يتحكم في الآخر.. هل الإنسان يتحكم في اللغة أم هي التي تتحكم فيه؟. يتولد هذا السؤال من أن اللغة ليست مفردات منفرطة يركب منها المرء أسلوبه كما يريد.. إن أسلوبه مهما حمل من سمة فردية متناسل من أساليب تاريخية تحمل مفاهيم عديدة.. هذه المفاهيم هي التي تبني رؤيته إلى نفسه وإلى الأشياء والعالم من حوله.. هي التي تنبه ما في داخله من طاقات.. لهذا فإن القول بأن اللغة هي التي تتحكم في الإنسان بصورة (حتمية) يبدو قولا بعيدا عن الشك.السؤال هنا: من صاغ ويصوغ هذه المفاهيم والرؤى التي تتحكم في كل جيل لاحق.. والذي تزرعه اللغة من حيث يدري أو لا يدري من تزرع فيه؟ ثم من يوقظه إلى أن هذه المفاهيم صحيحة أو خاطئة؟. الظواهر الإنسانية وكل المفاهيم الاجتماعية لها أسبابها.. هذه الأسباب يولدها تفاعل المجتمع بين أفراده وعبر صراعه مع الطبيعة من حوله.. وهذا التفاعل بين الأفراد والصراع مع الطبيعة مستمران.. ولكن ليسا على كيفية واحدة.. فالتفاعل تختلف طبيعته من جيل إلى آخر، والصراع مع الطبيعة يختلف هو كذلك.. وهذا يعني أن أسباب الظواهر والمفاهيم في تغير مستمر.من هنا تنبع المشكلة: هل هي مشكلة واحدة؟كلا.. ولكن دعنا مع أهمها:المشكلة المعيقة أن عجز الأسباب عن الفعل أو انعدامها لا يعني إدراك ذلك عند معظم المجتمعات.. فترى أنها فاعلة، وهي في قبرها، وما ذاك إلا بفعل ما أسميه الحتمية اللغوية أو ما يسميه استيوارت مل (1806ـ1872) (الحتمية الذاتية) وما ينشأ عن هذا هو أن الأسباب المستجدة لا تجد لها فعلا.. أي نتائج في الوسط الاجتماعي.. وبذلك يبقى المجتمع خارج التاريخ.. إنه يعيش في زمن أكل عليه الدهر ونام.هل يمكن التغلب على هذه المشكلة؟بكل تأكيد.. فأنا لا أستخدم (الحتمية) هنا بمعناها في القرن التاسع عشر الذي يعني الثبات والاستمرار.. ذلك لأني أتكلم عن اللغة وهي ظاهرة إنسانية.. والظواهر الإنسانية متحركة.. من طبيعتها التغير الدائم.. ولكن هذا التغير يصنعه الأفراد.. ولا يصل إلى تغيير ذهنية المجتمع أو ما اعتقده من مفاهيم إلا بعد صراع عسير.وهذا له شرط فاصل.. هل تعرفه؟إنه الحرية.