حسن السبع

حسن السبع

كنت سأكتب في شأنٍ آخر، لكني أجَّلتُ ذلك، فبعض المواضيع تفرض نفسها، أحيانا، لأهميتها أو طرافتها. وأما بعد، فإن لكوب القهوة والجريدة ـ كل صباح ـ إغراءً لا أستطيع مقاومته. يمكنني تصفح الجرائد على الإنترنت، لكن لا شيء من ذلك يضاهي الجريدةَ الورقية. فأنا أتفق مع ما يقوله جلبرت سينويه على لسان أبي عبيد الجوزجاني عن الورق: «تفحَّصْ الأوراقَ التي بين يديك، وتملَّ منها والمسها، وشمَّ رائحتها، وانظر كم هي ضاجَّة بالحركة، وكم هي محرقة أو باردة وفقا لما ضمنها صاحبها من أفكار، ولعلك إذا فعلت تنتبه إلى الحياة تنبض بين أصابعك»! نعم. لقد استمد الورق تلك الهالة نتيجة ارتباطه بالكلمة. هي، إذن، علاقة بالأوراق لم تستطع التقنية أن تفسدها، ويصدق على تلك العلاقة قول شوقي: «بيني في الحبِّ وبينك ما ..لا يقدر واشٍ يفسده»!كالعادة، في كل صباح، ذهبت إلى البقالة القريبة لشراء الجريدة, نظرت إلى المكان المخصص للجرائد فوجدته فارغا. كانت الساعة الثامنة صباحا، فكيف نفدت الجرائد بهذه السرعة؟ التفتُ إلى صديقي البائع الهندي وسألته: ألم تصل الجرائد بعد؟ (سأحوّل اللهجة المحكية إلى فصحى). ابتسم البائع قائلا: وصلتْ، ولكنها نفدتْ، فقد اشترى النسخ كلها أحد الزُّبُن. (الزُّبُن: جمع زبون. وهو جمع تكسير. أما «زبائن» فخطأ شائع.. والعهدة على فقهاء اللغة). تساءلت: ولماذا اشترى كل النسخ؟ هل تحتوي على صورته تنشر لأول مرة؟ أم على صور حفل زفاف نجله أو أحد أقاربه؟ قال البائع: لا هذا ولا ذاك، لكنه، حسب علمي، يدهن بيته من جديد، وقد يستخدم الجرائد لحماية الأرضية من الأصباغ. استنتجتُ من هذا التصرف الغريب أن الجرائد لا تشترى دائما لِتُقرأ. وأن قيمة نسخ الجرائد التي اشتراها الزبون أقل من قيمة لفّة المشمَّع التي تفرش عادة على الأرضيات أثناء أعمال الطِّلاء.قبل عقدين تقريبا تناولت في مقال عنوانه (الكتابة تحت أنقاض المائدة) طريقة تعاملنا مع أوراق الصحف، وأشرتُ إلى ملاحظة أبداها لي صديق أمريكي دُعِيَ إلى حفلة صغيرة رتبها طلابه احتفاء به. لما حان موعد الأكل، كانت مجموعة من الصحف الأمريكية مثل (واشنطن بوست، و وول ستريت، و يو إس توداي) تستقر جميعها على طاولة الطعام كسفرة توضع فوقها الأطباق، وهو التصرف الذي أثار دهشة الصديق باعتباره منافيا لاحترام الكتابة وهي أعظم اختراع في تاريخ البشرية. وبعد، فإنه بالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن البائع، أعزّي بقية الزُّبُن الذين بحثوا عن الجرائد فلم يجدوها، وجميع الكتاب والمحررين والمراسلين الذين تناثرت الأصباغ على مقالاتهم وتقاريرهم في يوم الطِّلاء العظيم، راجيا أن تنتهي عمليات الطِّلاء قبل أن ينشر هذا المقال. hsn_saba@hotmail.com