محمد العلي

محمد العلي

كيف نقرأ الواقع؟القراءة هي اختبار لوعينا قبل أن تكون اختبارا لوعي الآخر (الكاتب أو المبدع بصورة عامة) ذلك لأننا نقرؤه من خلال نظام من الأفكار لم نبدعه نحن، بل حملته لنا اللغة من أجيال قد تكون سحيقة.. وبمقدار تحكمنا في هذه الأفكار وشل سيطرتها وإغراء ما فيها من مجازات لغوية.. يستطيع بعضنا أن يكون أعمق إدراكا لما يقوله كتاب الواقع أو نصوصه أو أسئلته.التناقض بين الأفكار المتوارثة وبين الواقع تناقض تناف حاسم.. فالأفكار التي نحملها هي إجابات على أسئلة واقع آخر نتيجة لقراءته في صيرورته التاريخية.قلت في مقال سابق:“نحن نعرف أن الذي يوجد خارج الوعي هو المادة وليس الواقع.. فالواقع مفهوم يشمل المادة والروح والمستقبل والماضي.. إنه تفاعل الذات مع الموضوع، أيا كان هذا الموضوع.. من هنا نبع الانشطار في النظر إلى الواقع بين الأجيال والحضارات”.وإذن فإن قراءة الواقع تتطلب النظر إلى زوايا عديدة في آن واحد، لأنه أشبه بتيارات علينا ملاحقتها.. وهذا لا يمكن إدراكه إلا بالنظر الدائم إلى فعل التاريخ.. وإلى علاقاتنا نحن بهذا الواقع.إن المفهوم التاريخي هو الغائب عن أذهاننا في حين أنه هو الحادي لقوافل الواقع المتجددة ولذلك ذهب المفكر محمد عابد الجابري إلى الجزم بتداخل الأزمان في ثقافتنا فالماضي هو نفسه المستقبل.لماذا؟لأن الأفكار قد تنغرس في تربة نسميها اليقين.. واليقين المستقر ليس (هو الجهل المستقر) كما قال أحد المتصوفة.. بل هو التقليد في تعبيرنا نحن البعيدين عن التصوف وإن كنت أعتقد أن تعبيرهم أبلغ من تعبيرنا.ما معنى التقليد؟معناه استمرار الماضي في الحاضر والمستقبل.. معناه تناسخ الأفكار.. معناه إلغاء التاريخ.. معناه الوجود الذهني خارج الزمان والمكان.يقول لويس ألتوسير:“كل علاقة إرادية هي علاقة وهمية.. لأن الواقع هو واقع علاقات مادية لا إرادية”.يفتح ألتوسير بهذا فوهة أخرى من تناقض الأفكار مع الواقع.. ذلك لأن علاقتنا بالأفكار علاقة إرادية ولا إرادية.. بل متوارثة اجتماعيا.. وهنا نسأل: ما حال القراءة التي تغفل التاريخ وتغفل العلاقات المادية مع الواقع؟Mali@alyaum.com