حسن السبع
هذا استطراد لابد منه، فهو تتمة لموضوع «الطالب/ الروبوت» خرِّيج أساليب الحفظ والتلقين المتبعة في المدارس العربية. وهي أساليب تعليمية يلازم تأثيرها السلبي مراحل العمر المختلفة .. ولا عجب، والحال هذه، أن يصاب أستاذ قادم من تلك الأجواء التعليمية بالخوف حين يلتحق بهيئة التدريس في جامعة غربية، لأول مرة، فيقف أمام طلبة يتدفقون ثقة بالنفس. في هذا السياق ينقل الدكتور قيس الوهابي مترجم (أنشودة الفتى الحزين) لـ (فاسيلي أكسيونوف) كيف مرَّ بهذه التجربة عندما دخل الصف للتدريس في جامعة جورج واشنطن فيقول: «كان عليَّ، أنا العربي المسكين الذي تربى على عدم الثقة بالنفس، والذي تقوم وسائل الإعلام بتلقينه وتذكيره بأننا متأخرون وهم متقدّمون، أن أقوم بتعليمهم..» وبضيف: «لقد كنت سيد الصف وديكتاتوره المطلق ولكن من أجل هدف سام، وليس خدمة لعقده الإنسانية». لكن استبداد وديكتاتورية المعلم التي ترضي عقده المزمنة ليست نابعة من فراغ، بل هي نتاج ديكتاتورية النظام التعليمي الذي يشكل شخصية المعلم في العالم العربي. فالمعلم المستبد روبوت آخر، وهو صنيعة منهج صارم موجه، وفي هذا الإطار يرى الكاتب الأرجنتيني إرنستو ساباتو في معرض حديثه عن «التربية والديكتاتورية» أن همجيتين تطاردان إنسان هذا العصر هما: التقنية والأيديولوجية المستبدة. والواقع أن كل علم من العلوم قد يستغل بشكل مدمّر إذا ما اقترن بأية أيديولوجيا تجرد ذلك العلم من محتواه الإنساني.. ومع ذلك، لا سبيل إلى الربط بين التقنية والهمجية إذا ما استخدمت التقنية استخداماً خيِّرا، أو سخّرت لخدمة الإنسان وتأكيد إنسانيته، إلا أنها لا تكون كذلك إذا ما اقترنت بأيديولوجية تسخر التقنية وكذلك التعليم لأجنداتها الخاصة. فهي لا تخدم الفرد بل تصنع منه خادماً مطيعاً لها، أو ترساً في آلتها العتيدة.. لذلك تراهن على تخريج المعلم الروبوت الذي يخرّج بدوره مجموعة من (الروبوتات) لا تناقش ولا تعترض، ولا تؤمن بشيء مختلف عما أُلقمت من معلومات، وفي ظل هذه التربية الانكشارية المنضبطة يتحرك الأفراد كتروس أو مسنّنات في آلة .. ولا توجد أرض أكثر خصوبة لبذر بذور تلك الأهداف مثل مراحل الدراسة الأولى. ولأن «العلم في الصغر كالنقش في الحجر»، كما يقال، فقد يظل الطالب/ الروبوت غائبا عن الوعي زمنا طويلا .. وقد يمضي به العمر دون أن يكتشف ذلك الكم الهائل من الجهل الذي تراكم في صيغة معارف وقيم سائدة، ومسلَّمات ثابتة غير قابلة للنقاش، هي نتاج ذلك الأسلوب التربوي الموجّه. وبعد، فإن تكرار واجترار المعارف المتوارثة لا يتطلبان إلا تعليماً تقليدياً يعنى بالأجوبة الجاهزة أكثر من عنايته بإثارة الأسئلة، أما الابتكار والتجاوز فإنهما يتطلبان عقولاً منفتحة لا تهاب من طرح الأسئلة. hsn_saba@hotmail.com