عيسى الجوكم

في الصميم

 الحرية ومحاولة التمرد على المألوف طريق مفروش بالورود في السلك الرياضي في عالمنا العربي والخليجي, ومساحة التحرك في مساحته أكبر بكثير من الجوانب الأخرى التي عادة تكون الكتابة فيها بمثابة قدم في الدنيا وأخرى في القبر, فالغارق فيها كالذي يسير على السيرك نسبة الوصول لنقطة الهدف, مثل نسبة السقوط الذي لا يكون بعده نهوض ..!! في محبرة الرياضة الخليجية تخرج عن النص.. وتتسلل إلى الممنوعات.. وتنبش هنا وهناك.. وتقطع الإشارة الحمراء، وقد يشاهدك المرور ، لكنه يسمح لك بالمرور .. فلا أحد يوقفك في الطريق إلا إذا وصل الأمر للكوارث. ** ولا أذيع سرا إذا قلت : إن الأقلام التي تسكن في مباني السياسة والثقافة وأي طابق آخر من طوابق الصحافة يحسدون أهل الرياضة وأقلامهم في العالم العربي خاصة الخليجي على الحرية الممنوحة لهم في بلاط صاحبة الجلالة أرضا وجوا ..!!. ويبدو لي ـ والله أعلم ـ أن الديمقراطية العربية الرياضية أنجبت ويلات, آخرها قصة ألف ليلة وليلة بعد مواجهة الجزائر ومصر في أم درمان, ومن قبل النواح والعويل والصراخ في دورة الخليج الماضية بمسقط, حيث بلغت الحرية مداها في الإعلام المقروء والمرئي «وعلى عينك يا تاجر»، ومسلسل الف ليلة وليلة مستمر حتى خليجي (20). ومع ذلك فإن أهل الرياضة في الخليج والعالم العربي يرون أن بصمتهم في الحرية وطريق الديمقراطية أساس للانفتاح, وأنهم من اختصر الطريق للوصول لأكبر مساحة من الحرية التي يحلم بها الساسة والمثقفون العرب, وأتحدى أن يسمح بـ «1» بالمائة مما يسمح له في رياضة الخليج وما تتناوله الفضائيات الرياضية في جوانب أخرى كالسياسة والاقتصاد والاجتماع وحتى برامج الأسرة. ويطل السؤال : لماذا الرياضة فقط؟ ولماذا يسمح لهم بهذا السقف العالي من الحرية دون سواهم ؟ ولماذا لا تفسر كلماتهم وانتقاداتهم على أنها طوفان يجتاز الخطوط الحمراء ؟ وما السر وراء هذا الصمت إزاء الخروج عن النص من قبل الأقلام الرياضية وأصواتها في الفضاء، والسماح لهم بالعوم في العمق دون غيرهم ؟  الجواب ببساطة : بقعة الضوء في السلك الرياضي .. لا تحمل وراء الأكمة ما وراءها، فهي طليقة في الهواء حرة، وبريئة براءة الأطفال، ليس لها أجندة ظاهرة وأخرى باطنة، ولا توضع في مفرداتها مكياج النفاق والوصولية، ولا تصبغ جدرانها بألوان التمييز , لتصنف الناس عبيدا وسادة ..!!. فالنجوم الذين يتهافت عليهم الناس ـ كل الناس من طبقات فقيرة وأخرى متوسطة , وثالثة ثرية ـ لا فرق بينهم وهذه ميزة الرياضة .. لا يصفق للثري فقط، ولا يكون الهتاف للمنصب فقط. فأبناء البيوت البسيطة لهم في الصحافة الرياضية صولات وجولات .. تسويق وجمهور .. وأقلام تكتب عنهم للمتعة والإبداع، والمفردة تنساق للابتكار من أجل أن نعطي للمهارة في هذه الحياة قيمة. الخروج عن النص في الأقلام الرياضية حالة استثناء لانفعالات شخصية، على عكس نخبة الثقافة التي تسعى لتقزيم الجميع من أجل أن تبقى هي في القمة، فهم يمعنون في النرجسية بعكس نخبة الرياضة الذين ينزلون لحكم الجمهور حتى يصلوا للقمة. أما معركة الرياضة والسياسة .. فقديما قالوا : الرياضة تجمع ما تفسده السياسة، ومازالت هذه المقولة تمثل القاعدة، وما يحدث في دورات الخليج استثناء، والحال ينطبق على عرب أفريقيا. في الإعلام الرياضي .. لا مكان للتكتل المبني على الدم والقبيلة والأسرة والأخوة والمدينة والحارة والمدرسة. ففي إعلامنا الرياضي تبنى الديمقراطية على أصولها. فالأب يترنم بفريقه المفضل, والأبناء لكل منهم ميوله للأبيض أو الأزرق أو الأصفر أو الأحمر , بل في أحيان كثيرة ما يتواجه الأشقاء في الملعب بعضهم ضد البعض الآخر ، وبعد المواجهة يجمعهم سقف واحد .. وطاولة طعام واحدة .. وأسرة واحدة .. هل وجدتم أثمن من هذه الديمقراطية والحرية؟  وفي دورات الخليج قد يحمل الأب علم بلاده، وأبناؤه علم بلد آخر ، لأنهم ولدوا في أرض غير أرض الأب، وينطبق ذلك على الزوج والزوجة. هذه حقيقة وليست خيالا. ألم تسمعوا بقصة حارس الكويت نواف الخالدي الغارق في الفرح لتصديه لجزائية الشلهوب، وزوجته تعتصر ألما لان ولاءها للأرض الخضراء، والقصص كثيرة في هذا المضمار ..!! إذا أرادت أقلام الساسة أو محبرة المثقفين أن تعطي المساحة من الحرية التي تمنح للأقلام الرياضية وأهل الرياضة بشكل عام، عليهم أن يتعلموا روح التنافس من الرياضيين. فالخسارة في الرياضة لا تعني البدء في مؤامرات من أجل إخلال التوازن وزرع الفتنة، والخسارة في الرياضة لا تعني سل القلم للهجاء والتندر كما هو شائع عند أهل الثقافة، والفوز في الرياضة لا يعني سلب الغير حقوقه كما هو الحال في السياسة. الرياضة قيمة إنسانية جميلة .. وظاهرة تربي المجتمع والأسرة والفرد على مبادئ الحرية في اختيار الفريق المفضل .. فلا خوف أو مجاملة أو نفاق في إعلان العشق والتأييد لفريق ما أو نجم ما أو بلد ما، لكن في السياسة يكون العكس، وفي الثقافة وحتى الدين يجبر الفرد على قراءة كتب محددة ولو بالإكراه ..!!