حسن السبع

حسن السبع

غالبا ما يُصاب الطلبة بالذعر، وتقوم قيامة الآباء والأمهات، لأن لجنة وضع أسئلة الامتحانات قد ضمَّنت ورقة الأسئلة سؤالا أو اثنين من خارج المقرر المدرسي، أو من دروس مخصصة للقراءة والاطلاع .. كأن الدروس المخصصة للقراءة والاطلاع أُعِدَّت لغير تلك الغاية، وكأن القراءة والاطلاع من الأمور النافلة. المعلم الجيد، تبعاً لهذا الأسلوب التقليدي الصارم، هو من يدور حول المقرر دورة الرحى، فكل إجابة لا تتقيد بالمقرر حرفياً مرفوضة، حتى وإن كانت أكثر دقة وإتقاناً وعمقاً .. مثل هذا المعلم لا يناسب إلا الطالب/ الروبوت. ليس الغرض من طرح هذه الملاحظة إلغاء المقرر المدرسي، بل الاعتراض على قمع الاجتهادات الخلاقة، وعلى تدريس مواد ذلك المقرر بأساليب تقليدية عفَّى عليها الزمن. إنها مجرد مفاضلة بين تعليم قائم على الحفظ والتلقين وآخر قائم على تشجيع المناقشة والتفكير النقدي، الذي يمنح الطالب مزيداً من الحرية في إبداء آرائه وطرح أفكاره بدلاً من «تحويل الإنسان إلى روبوت» كما يعبر «إرنستو ساباتو» في حديث له عن التربية. في السياق نفسه يرى ساباتو أن مفتاح سر أي تعليم جيد، ليس البرامج التي تتحوّل إلى حروف فارغة، وإنما سر التعليم الجيد هو المعلم الذي يتعامل مع تلك البرامج بطريقة خلاقة، ويحولها إلى مواد نابضة بالحياة. «المعلم المستبد هو الذي يفترض وجود معرفة دائمة أبدية .. والمعلم العظيم هو من يسمح لتلميذه بأن يفكر حتى وإن كان مخطئاً.. وأن يطرح أسئلة مهما بدت لأول وهلة سخيفة» كي لا يتحول إلى روبوت لا يناقش ولا يعترض ولا يبتكر شيئاً مختلفاً عما أُلقِم من معلومات. قد يقول مدرس آخر: ولكننا نعمل ضمن نظام تعليمي لا يتيح لنا فرصة للاجتهاد أو البعد عن جاذبية المقرر المدرسي. وهذا اعتراض صحيح. لكن المدرسين والمدرسات ليسوا سواء حتى ضمن النظام التعليمي الواحد. تغيَّرت أساليب وأهداف التعليم .. فأصبح هدف العملية التربوية خلق رغبة أو ميل دائم للتعلم، وليس تخريج متعلمين فرحين بما لديهم، ولا يبحثون عمَّا لا يعرفون. في هذا المعنى يقول إريك هوفر: «المجتمع الإنساني الحقيقي هو مجتمع دائم التعلم، حيث الأجداد والآباء والأبناء جميعهم تلامذة» أي أنهم جميعا زملاء ميلٍ أو شغفٍ دائم للتعلم لا ينتهي بانتهاء التخرج والحصول على الشهادة. قد تساعدنا الشهادة على كسب العيش لكنها لا تعلمنا كيف نعيش.لذلك تعنى أساليب التعليم الحديثة بتشجيع الاجتهاد والابتكار، وتنمية ملكات التفكير، وهي أساليب لا تراهن على مهارات الحفظ والاجترار والتكرار على نحو ببغاوي، ولا تحشو رؤوس الطلاب بأسماء وأرقام وتواريخ ومعلومات لا أهمية لها حاضراً ولا مستقبلاً. ومكانها الصحيح هو المعاجم والموسوعات لا رؤوس الطلاب أو الطالبات.Hsn_saba@hotmail.com