نجيب الزامل
الصمتُ ليس دائما من ذهب، خصوصا في موضوع الانتقاد والنقد.هناك أشياءٌ يجب أن ننقدها لأهميتها، وهناك أمورٌ لابد من انتقادها لعظم مغبـّة الخروج عن نمطها.. ويبقى من يفضل الصمت هنا كمن اقتنى معدناً من أبأس معادن الأرض.تصل تساؤلات من بنات وأولاد خصوصا في الأعمال التطوعية عن النقد.. وأقول لهم دائما، وها هنا أقول: «لا يجب على أحد منكم أبدا أن يتذمر من النقد ولا الانتقاد. بل النقد هو الذي يجعل العقلَ والعملَ يعملان معا حتى لا يخفقان، ولولا النقدُ لتاهَ كلٌ في مبتغاه، الصالحُ وغير الصالح.» ولا خوف من النقد والانتقاد أبدا.. فإن كان النقدُ صحيحا، فهنا أعطانا الناقدون مهمازا في الخاصرة قد يوجع لأول وهلة، ولكنها كالوخزةِ في خاصرة جواد السباق، ليحثه الفارسُ على زيادة قوة الاندفاع لكسب قصب السبق.. ولولا تلك الوغزة الموجعة في الخاصرة لما تقدم الحصانُ، وربما توانى وكسل وترك المضمارَ لغيره من الجياد. وبالتالي نحرّض على النقد والانتقاد لأنه يعطينا تلك الفورة المفاجئة كي ننتبه قبل النعاس على الطريق، يعطينا تلك الوخزة بأرجلنا لينبهنا أننا ندخل غابة الشوك، يسحبنا بقوة وبقسوة ونحن في البحر لأن دوامة عنيفة تنبع من الأعماق لم ننتبه لها فتنبه الناقدون.. وعندما تعرفون كل ذلك يا شباب تعرفون فضلَ النُقـّادِ عليكم والمنتقدين، وستبحثون عنهم ليس فقط في الظلماء حين يجف النور، بل حتى في رائعة النهار مثل مصباح الفيلسوف الأثيني ديوجين.وإن كان النقدُ غير صحيح، وكان بهتاناً زائفا، فما الذي سيضر هنا إن لم تقوموا بالبهتان والزيف؟ لأنه في النهاية لا يصحّ إلا الصحيح، عندما تكتسح موجة من الخير مجتمعاً من المجتمعات لابد أن تنتفض نزعاتُ الحسدِ والغيرة والشر لردّها، تعلمنا آلية الطبيعة أن الموجة لا بد أن تصل لمبتغاها ولن تتكسر إلا في الوصول للسواحل.. بل يجب أن تعلموا أن آلية الطاقة في الموجة متوالدة من الدفع المضاد، كما يفهمها دارسو علم الحركة والقوة في الرياضيات، وكما تكالب عليها العلماءُ بعد قوانين نيوتن، فاكتشفوا أن أي موجة تتوالد من قوة مُنـْهـِضة وتزيد في كل نقطة، وليست فقط موجة الماء، بل موجات الأطياف، والنور، والهواء.. فأين الضرر؟قد يكون النقدُ فاقعا ومبالـَغاً به، وليـَكـُن. فهذه طبيعة من طبائع النقد، يسميها الأجانبُ «نقد نظرة العدَسة»، يعني أن تركز تركيزا شديدا وبؤريا أحيانا على الموضوع الذي تنتقده لكي تلفت الانتباه بشكل حادٍّ وسريعٍ ومحدَّد.. أنظر مثلا كيف لو رسمني رسامُ كاريكاتير وهذا الأنف الذي ترونه بالصورة ناتئا محتلا جزءا كبيرا من الوجه، فإن الرسّامَ سيأخذ أنفي وهو يرسم ملامحي ويجعله في طول برج إيفل.. هنا التركيز البؤري كما يسميه علماء الفيزياء، فما عرفنا أن النورَ يحرق حتى ركزناه على ورقة بيضاء من عدَسَةٍ فإذا الورقة تشتعلُ لهيبا.الشيءُ الأهم؛ أن الأشياءَ الخامدة، والأشخاص الخامدين، لا يثيرون جدلا ولا نقدا لا إيجابا ولا سلبا. وحدهم العاملون الذين يثار وراءهم النقع, وهذا دليل أنهم في أوج الحياة، فلولا أن الموضوعَ كبيرٌ وحي ومؤثر لما قام عليه النقاد، ولما أنتجوا وكتبوا وألفوا حوله..قالت لي أمي يوما: كل ما أصبحت عُد حاسديك قبل محبيك.. لأن نقص الحاسدين هو المقلق لأنه يعني أنك تراجعت فلم تعد تثير حسدَ أحدهم! فإن كنا حتى نحرص على الحسّاد لإثبات وجودنا الحي.. فكيف بالناقدين والنقاد وهم صائبون أم مخطئون.. نافعون في الحالتين.الآن، هيا وعودوا واشكروا كل من وجّه لكم نقدا أو انتقادا، واجزلوا له من الشكر الكثير. najeeb@sahara.com