حسن السبع
«الأسامي كلام .. شو خص الكلام.. عينينا هنّي أسامينا» هذا ما يقوله جوزيف حرب، وتردده فيروز. وقد يوفر علينا هذا الفهم الانسياق وراء لعبة الأسماء والعناوين. إلا أن لاختيار الاسم دلالته، سواء اتفق مع المسمى أم اختلف. وعندما تسمع، لأول مرة، بلقب (شاعر المليون)، على سبيل المثال، فإن فهم هذا اللقب يعتمد على طريقتك في التفكير. قد تظن أن هذا اللقب مرادف للقب (شاعر المقاهي والحدائق العامة) .. أي ربما يتبادر إلى ذهنك أن هذه التسمية قد تجاوزت أرستقراطية (أمير الشعراء) التي توحي بالرئاسة والزهو، وأن الأمور قد تحررت من جاذبية القرن التاسع عشر، وأن المقصود بالمليون هو تلك الجموع الغفيرة من عشاق الشعر .. ثم تكتشف أن الأمر يتعلق بـ (مليون درهم) هي جائزة الشاعر الفائز .. إن قراءتك الحالمة لذلك اللقب تدل على طريقة تفكيرك .. ففي كل لغة، كما يقال، نظرة مختلفة إلى العالم .. وكل قراءة للغة تدل على نمط التفكير. تأمل، على سبيل المثال، عبارة للخطيب البغدادي وردت في معجمه الضخم (تاريخ بغداد) تقول: «وقامت على ضفة النهر سوقٌ تسمّيها الخاصةُ سوقَ الري، وتسميها العامةُ سوقَ العطش». تسميتان متضادتان، ولأن الخطيبَ البغدادي مؤرخ لا يهتم إلا بتسجيل الوقائع والأحداث وليس تفسيرها كما يفعل علماء الاجتماع، فإنه لم يقرأ أسباب الاختلاف بين التسميتين قراءة نقدية. ولم يتساءل: هل كان العطش أكثر حضوراً في حياة العامة؟ أي هل الإحساس بالعطش لديهم أقوى بسبب الظروف المعيشية؟. لعل سوق الري هي التسمية الرسمية للسوق، وسوق العطش هي التسمية الشعبية. وعلى مر التاريخ كانت المسميات الشعبية أكثر رسوخا في الذاكرة.لكن عامة بغداد في القرن الثاني الهجري كانوا أكثر واقعية من سكان عاصمة هايتي ذلك البلد الفقير الذي تردد اسمه في مطلع هذا العام في نشرات الأخبار بسبب الزلزال الذي أودى بحياة أكثر من مائة وخمسين ألف نسمة، ثم أضاف وباء الكوليرا الذي يجتاحها هذه الأيام ضغثا على إبَّالة.. أقول: كان عامة بغداد، آنذاك، أكثر واقعية من سكان هايتي. وفي كتابه (أفواه الزمن) يسجل إدواردو غاليانو النص التالي: «في شيكاغو، لا وجود لمن هو غير زنجي، وفي نيويورك الشمس تشوي الأحجار في عز الشتاء، وفي بروكلين من يصلون إلى سن الثلاثين وهم على قيد الحياة، يستحقون تمثالاً. وأفضل بيوت ميامي مبنية من النفايات، وخوفاً من الجرذان التي تطارده يهرب ميكي من هوليود.. شيكاغو، ونيويورك، وبروكلين، وميامي، وهوليود هي أسماء بعض أحياء سوليل، أشد ضواحي العاصمة الهايتية بؤسا». ويبدو أن سكان هايتي يطبقون مثل كثير من بلدان العالم الثالث (عشر) المثل القائل: «الصيت ولا الغنى»! hsn_saba@hotmail.com