د.محمد حامد الغامدي
هذا شهر الحج وأيامه.. عرفناه برؤية تعبر عن أفكار كبيرة.. ذات أهداف إنسانية.. الحج من عناصر الإسلام الخمسة.. لا يتم الإسلام بدونه.. مع الحج كان هناك استثناء.. الرحمة والتسامح.. الحج.. لمن استطاع إليه سبيلا.. عظمة الإسلام تتجلى خاصة في هذا الركن. الحج قراءة واسعة ومتعمقة، في واقع البيئة الإسلامية.. هل نستطيع رؤية الأهداف العظيمة للحج ؟!.. يبحر بالإنسان بعيدا نحو الأمل.. الحج هو الركن الوحيد الذي يحتضن الأمل ويغذيه ويسنده.. يحافظ على أمل المسلم متقدا، نحو تحقيقه.. إن لم يستطع، فليس عليه حرج.. هكذا يغرس الإسلام في النفس أمل المحاولة.. تصبح واجبا وسمة. في شبابي وقفت على بعض الحقائق.. عشت حالة الحج.. كنت (شبلا).. فـ(كشافا).. فـ(جوالا).. يخدم الحجيج تطوعا لوجه الله.. في سنوات مختلفة.. وقفت على صعيد عرفة.. ومزدلفة.. ومنى.. تشرفت مع زملائي الكشافة.. بواجبات خدمة الحجاج.. مازالت تلك السنين ماثلة أمامي.. بفخر واعتزاز.. وحنين. من نعم الله علينا، أن جعلنا أهل هذه الديار.. في استقبال حجاج بيت الله.. بكل كرم وفخر وشوق.. نخدم .. نسهر.. نتابع .. نيسر.. ونبتكر وسائل لراحة الحجاج .. كبيرنا والصغير، يقدم خدمات لحجاج بيت الله .. اقلّها الدعاء بالتوفيق والسلامة وقبول الحج. وهذه الدولة بكل إمكانياتها .. مجنّدة لخدمة ضيوف بيت الله .. الجميع في خدمة الحجاج .. المشاريع الجبارة في كل مناطق الحج .. من مكة المكرمة.. إلى منى.. إلى مزدلفة.. إلى عرفة.. إلى المدينة المنورة.. وهذه الموانئ البرية.. والبحرية .. والجوية .. كلها مسخرة لاستقبال الحجاج. إدارة جموع الحجاج .. مع تلك المشاريع .. تشهد على نوايا الخير والبركة .. لتقديم أفضل خدمة .. يمكن أن يحققها بشر على وجه الأرض .. السلامة .. الأمن .. الأمان.. الصحة .. النقل والتنقل .. الغذاء .. السكن .. كلها تشهد بتطور الخدمة سنة بعد أخرى. مازلت اذكر الجهود التي كانت تبذل في سبعينيات القرن الماضي .. وكنت شابا متحمسا لخدمة الحجاج .. ابتداء من مدينة بقيق .. حيث كنّا نقيم المعسكرات الكشفية في مدخل المدينة .. لاستقبال الحجاج القادمين برا من دول الخليج.. والعراق.. وإيران.. وتركيا. شاركت في خدمة الحجاج.. شبلا في المرحلة الابتدائية.. ثم كشافا في المرحلة المتوسطة والثانوية.. وجوالا في الجامعة.. مازلت احتفظ ببعض الصور مع الزملاء.. انظر إليها اليوم.. وأرى فارق السن.. نسيت أسماء اغلبهم. صور التعاون.. والانضباط.. والتنظيم.. والعمل الجماعي مازالت في الذاكرة.. تعطي الكثير من الاستنتاجات الواسعة.. قيم ومفاهيم خالدة في النفس.. أتمنى رؤية شركائي السابقين في تلك المرحلة. مازلت اذكر دعاء الحجاج لنا.. (يطبطبون) على أكتافنا .. يمسحون على رؤوسنا .. وكنّا أشبالا صغارا .. نقدم الخدمة .. كانوا يقابلون خدماتنا المتواضعة بالدعاء والإعجاب.. كنا نزهو بأنفسنا .. وأعمالنا أمام الطلاب في المدرسة .. وكنا نتلقى التشجيع والدعم من إدارة المدرسة .. ومن الأساتذة .. ومن سكان المدينة. في المرحلتين الثانوية والجامعية.. استمر العطاء لخدمة حجاج بيت الله.. لم اشعر في أي لحظة بالتعب.. كنا نعمل بشكل متواصل ليلا مع النهار .. أحيانا ننام للحظات أثناء الانتظار.. لتأدية الواجب.. مع الحجاج التائهين في المشاعر المقدسة. أيام في حياتي.. مضيئة ومشرقة.. الأجيال مستمرة.. والشعلة متوقدة.. والسواعد قوية.. جيل يسند جيلا .. تتغير الظروف والأهداف ثابتة واحدة.. تتغير الإمكانيات والأمل واحد.. تتغير الأجيال والخدمات مستمرة .. تذهب أجيال وتأتي أخرى أكثر حماسا ومعرفة وإمكانيات.. الحج مستمر إلى يوم يبعثون. في الحج تسمع كل الأصوات.. بكل اللغات.. ترى جميع أجناس البشر.. وتنوعهم البيئي والثقافي.. ترى تقاسيم الوجه واللون المتنوع.. تتعرف على نفسك من خلال المسلمين.. بهم تعرف عظمة الإسلام.. بهم تعرف حقيقة أهمية المسلمين للعالم.. وبهم تعرف أن الإسلام دين الجميع.. أصبحنا بالإسلام إخوة. في الحج لا تعرف الفروق.. لكنك تتعرف على الإسلام الذي جمع الفروق والاختلافات.. ونسج الحج بزي موحد .. لتعرف أن الجميع يجمعهم العامل الإنساني.. دين للسلام والتآخي وبناء الأرض وليس تدميرها. الحج هدف المسلمين قاطبة.. ترى الدموع والدعاء يتعالى مع (نفرة) الحجيج من عرفة إلى مشاعر منى.. مع تلك الجموع، يكون الخشوع الذي يفجر الأمل نحو مستقبل أفضل في الدنيا والآخرة. مشاهد (نفرة) جموع الحجاج من عرفة.. هي الأعظم تأثيرا في حياتي.. نمضي مع الحجيج في رحلة جديدة إلى الدنيا.. عبر مزدلفة.. ثم إلى منى.. حيث العيد الذي ينتظرنا.. الحج عرفة.. حيث يغسل الحاج نفسه.mgh7m@yahoo.com