د.محمد حامد الغامدي
بقي سوق السبت في ذاكرة كاتبكم.. أينما حل وارتحل.. وفي الاحساء وجدت الشبيه.. كان في بداية ثمانينيات القرن الماضي.. ثلاثة عقود انقضت من العمر.. عرفت من الزملاء في الجامعة.. سوقا لا يختلف عن سوق السبت.. لكن يومه ليس السبت.. اختاروا له الخميس.. بقيت أتساءل.. لماذا هذه الأيام بالذات؟! مازلت اذكر أول هبوط لي على سوق الخميس.. كان يوما يعج بالمقارنة.. صنوف جديدة من الحياة.. لم أتعود على مشاهدتها.. حتى سحن الناس تختلف.. كذلك الأزياء وطريقة اللبس.. اللهجات قصة أخرى. شاهدت الكثير من جنسيات العالم في السوق.. كانت سعيدة.. مبتهجة.. رأيت عوائل أجنبية مع أطفالها في السوق.. كانت منبهرة ومهتمة ومتطلعة.. ضيوف يتحدثون مع أهل السوق.. يشترون ويبتسمون بسعادة.. حتى النساء الأجنبيات ينجذبن إلى (بسطات) نساء سوق الخميس.. هناك أسرار تجذب. هذه الأسواق الشعبية ركيزة سياحية عند كل الناس شرقا وغربا .. للتزود المعنوي من الأسواق الشعبية.. نشاطها مزيج من عادات.. وثقافات.. واعتقادات.. ومهارات.. وسلوك.. وتفكير.. يعرضون حتى أنفسهم للفرجة.. البعض ينجذب بدافع الفضول وحب الاستطلاع.. أسواق تغذي النفس بحقائق.. تزيد من مساحة الإدراك.. وحس المعرفة.. وشوق التعامل مع الطرف الآخر. كان موقع سوق الخميس مميزا.. في طرف مدينة الهفوف الشرقي.. مجاوراً للواحة الشهيرة.. يقع أسفل (تلّة) مرتفعة.. من كان يقف على قمتها.. يشاهد السوق بكامل نشاطه.. كان حول السوق في الزمن الغابر القريب.. الكثير من الحيوانات الناقلة.. يتربع على عرشها (الحمار) المحلّي. تغير الوضع.. ترى السيارات تحيط بسوق الخميس وأيضا ترى حمير المزارعين بجانب السيارات.. خليط من القديم والجديد.. كان ذلك في بداية الثمانينيات من القرن الماضي.. تاريخ بداية عملي بجامعة الملك فيصل بالهفوف عاصمة محافظة الاحساء الحالية. كان كاتبكم جديدا على السوق.. بهرته الحركة.. ونظرات الناس التي ترحب.. أناس كرماء مع كل وجه جديد.. يعرّفونك، بأنك ضيف على الاحساء.. يقدمون لأمثالي الكثير من نماذج البضاعة مجانا.. الكل يحترم ويقدر الزيارة.. يدعونك لاحتساء فنجان الشاي والقهوة. من أول زيارة أصبحت فردا من أهل سوق الخميس.. وعندما كانوا يعرفون انك منتسب للجامعة.. يزيد احترامهم وكرمهم وعنايتهم ولطفهم.. يعطون الشعور بأنك مهم في مكان مهم.. هؤلاء هم أهل سوق الخميس كما عرفتهم في ذلك الزمن.. السوق ساحة كبيرة لتحقيق التواصل وتبادل المشاعر أيضا. هي الأسواق الشعبية خيار الناس.. كل فرد مسئول في السوق.. ليس هناك جباية أو ضريبة أو مكان للإيجار.. السوق عبارة عن (بسطة) بجانب أخرى.. هكذا مجانا.. ليس لها ثمن.. وهذا ما يجعلها شعبية. مجانية العرض في السوق يميز نشاطها.. تميل إلى أن تكون أكثر رخصا.. وفي متناول قدرات الجميع.. اليوم يسعى البعض لتحويلها إلى أماكن للاستثمار.. يستثمرون نشاط الناس.. كنتيجة، تتحول هذه الأسواق الشعبية إلى أسواق قهر وتعسف. لماذا لا يحترمون خيار الناس المجاني.. ولماذا يسعى البعض لتطوير هذه الأسواق بواجهات منغصة.. تغير من أهداف هذه الأسواق الشعبية.. الناس هي التي تختار ما يناسبها.. وليس البلديات.. برؤيتها القاصرة لهذه الأسواق. وجد كاتبكم سوق الخميس كسوق السبت في بلجرشي.. رغم تباعد المسافات.. واختلاف البيئة الجغرافية.. الأهداف واحدة.. والنشاط واحد.. اختلف المكان برجاله الذين أضافوا عليه.. نكهة البيئة وإمكانياتها.. وما تتطلبه الحياة. الشيء الذي لم يتغير وقد لفت نظري هو الحمار.. ناقل المعاناة.. يتحملها عن البشر.. ينقل في صبر أمتعة الناس من الأسواق، إلى وجهتها، والعكس صحيح.. طفت بجميع أركان السوق ابحث عن سوق السبت.. لم أجده.. أدركت أنني في سوق جديد.. تتشكل هوية الأسواق بهوية أهلها.. هويتهم البيئية.. والاقتصادية.. والثقافية.. والاجتماعية.. ونشاطهم في الحياة. أدركت أن سوق الخميس تجربة جديدة.. ورواية جديدة.. وتاريخ جديد.. أيقنت أن الأسواق أدوات في أيدي أصحابها.. تعبر عنهم.. وتجمعهم للخير وفي الخير.. هي مؤتمرات غير معلنة.. يتم فيها نشر المعلومات وتبادل الخبرات.. وتجديد العهد بالناس.. وتناقل الأخبار.. وتدارس الأوضاع. الأسواق الشعبية تعبير عن حال الناس.. ونوعية المعيشة.. قصة يمكن تشكيلها وقراءتها.. لها مؤشرات يمكن تفسيرها.. هل أصبح كاتبكم واحدا من آثار سوق خميس الاحساء؟!.. سوق الخميس كعيون الاحساء.. نتغنى بها وقد جفت.. ويستمر المقال بعنوان آخر.mgh7m@yahoo.com