حسن السبع
هاتفني، قبل أيام، الأستاذ عبد الله العبد المحسن ليخبرني أن في حوزته كرتوناً مثقلاً بكتب تخصني، وأضاف إنه قد ترك الكرتون في سيارته يوماً وليلة، ونسي أن يغلق بابها، لكنه طمأنني أن الكرتون لم يتعرض للسرقة. لم يكن ذلك مفاجئاً!. فمن ذا الذي يطمع في سرقة كتب في زمان أصبح فيه صندوق الطماطم أهم من موسوعة فلسفية؟ أما سبب عقد هذه المقارنة فهو انشغال الناس، قبل أيام، بالحديث عن جنون أسعار الطماطم. ومن حقهم أن يقلقوا إذا ما تعلق الأمر بلقمة العيش. كان الكرتون يحتوي على مجموعة من الكتب المهداة. والسؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن في موضوع الكتب المهداة هو: كم عدد الكتب التي أُهديت إليك، أو أهديتها إلى أصدقائك، وكم هي نسبة المقروء منها؟ هذا هو الهاجس الذي انتابني وأنا أقدم نسخة من كتابي الجديد لأحد الأصدقاء فأقول له على سبيل الدعابة: «سوف أجري لك امتحاناً مصغراً quiz بعد شهر لأتأكد إن كنتَ قد قرأت كتابي أم تركته على الرف ينادم الهجران»! كانت دعابة لها دلالاتها الجادة. فقد أصبحت الكتب، على الأرجح، تُتصفح ولا تُقرأ .. صارت القراءة في هذا الزمان اللاهث شيئاً ثانوياً. هنالك، شئنا أم أبينا، مغريات أخرى تستحوذ على الاهتمام: فضائيات ومنتديات إلكترونية، غرف دردشة على الإنترنت، أفلام، مسلسلات تركية وغربية، هواتف محمولة، مباريات، مجمعات تجارية، مطاعم وجبات سريعة، حلبات تفحيط وتطعيس .. والقائمة تطول. نحن في زمان تحتل فيه تلك الانشغالات الساحة بأكملها. ولسنا في الزمان الذي يتحدث عنه أنيس منصور فيقول: «هذه المكتبة.. هذه هي الحياة.. إن الفتحة التي أنظر منها إلى العالم قد اتسعتْ.. كأنني سمكة انتقلتْ من بئر إلى بحر، ومن بحر إلى محيط»! في أيامنا هذه يجد غالبية الشباب الحياة في مكان آخر، وفي اهتمامات لا علاقة لها بعالم الكتب، وقد يكتفي بعضهم بتناول (ساندويتشات ثقافية) منزوعة الدسم. وشتان بين الشطيرة والمائدة. لن أنصح الذين يرون الثقافة شأنا نافلاً ومكلفاً بأن «يجربوا الجهل»! كما يقترح إدوارد مورفي. ذلك أن ما ينبغي تأكيده، هنا، هو أن الثقافة خلاص من وصاية حراس الحقيقة المكبلة للعقل. فهي تصقل ذواتنا، وتحررها من الرواسب والشوائب، وتمنحنا نظرة مختلفة للوجود عن تلك التي ورثناها بالتلقين، وتصنع معنى للحياة لتصبح جديرة بالعيش. ومن شرفاتها يطل الإنسان على الوجود ليحلّق خارج مدارات العادة والتكرار والاجترار، وليجتاز خنادق العتمة. ولعل من المناسب أن أختتم هذه السطور بعبارة البير كامو القائلة: «من دون ثقافة وما تعنيه، وما يقترن بها من حريات، يغدو المجتمع غابة حتى وإن بدتْ صورته كاملة» .. فلا تجرّبوا الجهل!! hsn_saba@hotmail.com