خليل الفزيع

خليل الفزيع

في الماضي كان المسرح المدرسي علامة من أهم علامات النشاط المدرسي في جميع المراحل الدراسية، وكانت كل مدرسة تحرص على أن يكون لها “حفل نهاية العام الدراسي” مشتملا على أنشطة يأتي المسرح في مقدمتها، ثم تلاشى الاهتمام به كما تلاشى الاهتمام بالتربية الرياضية، ليفقد الطلبة أهم عاملين في بناء الشخصية : البناء الفكري من خلال المسرح والبناء الجسدي من خلال التربية الرياضية، ودخل طلابنا في مرحلة الحشو والتلقين والخواء الذهني والخمول الجسدي، وما يهمنا هنا هو المسرح كوسيلة للبناء الفكرى وصقل الشخصية القادرة على المواجهة والحوار وممارسة حرية الرأي المسئولة والمنضبطة.وعندما نقول إن المسرح هو أداة بناء لعقل الإنسان، فلأن أهم مقوماته هو الحوار، وأهم أهدافه هو الإصلاح، وأهم وسائله هي المواجهة مع المتلقي دون وجل ولا خوف، لذلك كان المسرح على امتداد التاريخ دليلا على تقدم الفكر وأصالة الثقافة وترسخ قيم الحوار، واستطاعت الأمم المتقدمة من خلال المسرح أن يكون لها شأنها في صنع التاريخ، منذ الحضارة اليونانية القديمة، وحتى الحضارة اليابانية المعاصرة، يوم كان للمسرح رواده من علية القوم وصفوة المجتمع، ويوم كان للمسرح كتابه من أساطين الفكر وعمالقة الأدب والشعر، وحينها اكتسب المسرح أهميته التي لا تقل عن أهمية دور العلم ومراكز التنوير ومؤسسات المعرفة والإصلاح.نتحدث عن المسرح ولسنا نقصد مسرح التهريج والمهرجين، ولا مسرح تحويل الفن إلى عفن يأباه الذوق وتستهجنه النفوس، بل نتحدث عن مسرح يشيع الخير والمحبة بين الناس، ويسعى إلى الإصلاح والتنوير، ويجمع بين الكوميديا الراقية والتراجيديا الهادفة، ويأخذ بالأساليب والتقنيات الحديثة في المسرح للوصول إلى أهدافه التنويرية والإصلاحية والتثقيفية، بوسائله غير المباشرة التي تتيح تحريض العقل للتفكير في البحث عن تحقيق العدالة الاجتماعية وإشاعة ثقافة الحوار المتكافئ بين كل الأطراف. دون خوف أو رهبة سوى مخافة الله والرهبة من عقابه.إننا نتحدث عن المسرح الذي يستوعب كل ما في الحياة من هموم في مختلف المجالات الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها من أمور الحياة المختلفة، فالمسرح حياة جديدة لا تنقل الواقع كما هو بل كما يجب أن يكون. في صفائه ونقائه وشفافيته، وهي أهداف يسعى كل المصلحين للوصول إليها، والفرق أنه ليس مباشرا في الطرح، بينما تعتمد وسائل التعليم الاخرى على المباشرة القسرية التي تنفر أحيانا من تقبل النفوس لها رغم كل ما تحمله من قيم.وللوصول إلى وعي جماهيري بأهمية المسرح علينا أن نعترف بأن الثقافة المسرحية تبدأ منذ الصغر، أي منذ التعليم الأولي والمتوسط والثانوي، ليتكلل ذلك بالمسرح الجامعي، فالمسرح المدرسي هو الأساس لأي نهضة مسرحية، على أن تتهيأ لذلك بنية أساسية قوية متمثلة في إنشاء المسارح، وافتتاح المعاهد أو الكليات المتخصصة في تدريس المسرح بكل تخصصاته، من التمثيل والإخراج والنقد المسرحي وغير ذلك من التخصصات المسرحية.ألسنا نريد البناء؟ هذه وسيلة ناجحة لبناء الإنسان، فلماذا نتجاهلها؟ بل لماذا نحاربها؟ khalfizaia@alyaum.com