مطلق العنزي
تتناقل المجالس والصحف هذه الأيام، حكايات «المسترجلات» أو ما يعرف شعبياً بـ«البويات» في المدارس والجامعات. ومع أن أي شذوذ هو عمل فردي إلا أن المجتمع يهتم به باعتباره يمثل خطراً محتملاً، مثل أي مرض آخر.وفي الإسلام يحرم تشبه المرأة بالرجال، ويحرم تشبه الرجل بالنساء. لأن التشبه يعني خللا مرضيا في النفس والسلوك.وأصدر مجلس الفتوى في ماليزيا عام 2008 تحريماً لـ«الاسترجال» بعد أن لاحظ أن فتيات ماليزيات يحلقن شعورهن، ويرتدين ملابس رجالية في ظاهرة مغالية وتتعدى الحدود المقبولة.السلوكيات بكل أنواعها، تنتقل عبر الحدود، وفي السماوات المفتوحة. لكن المجتمعات تخشى السلوكيات المخلة بادابها وتقاليدها.وقال معلق أمريكي انه إذا أرادت ماليزيا وغيرها أن تكافح انتشار الاسترجال بين نسائها، فإن أفضل وسيلة هي منع هوليوود من إنتاج الأفلام التي تظهر نساء مسترجلات يعشن بعضلاتهن، وينتقل هذا حسياً إلى الفتيات المتلقيات.وفي الحضارة الغربية لم يعد اللبس حاسماً في التفريق بين الجنسين، لأن كثيرا من النساء يرتدين الجنس والبناطيل التي يرتديها الرجال. وتوجد مئات الروايات والأفلام التي تبرز أدوار النساء المسترجلات.ويوجد استرجال مريض، واسترجال أقل حدة. فالمريض هو الذي يتبع بشذوذ جنسي، أو أنه مقدمة للميل إلى الشذوذ الجنسي، وهذا مشروع جريمة وتحرش وهو خطر محتمل.وفي الواقع فإن استرجال الفتيات واستئناث الشبان، استشرى في العالم مع السماوات المفتوحة. وهو طوفان من الخطأ مواجهته فقط بالحلول التقليدية، وبالحلول النهائية. لأن الحلول التقليدية والنهائية لا تنهي المشكلة بقدر ما تدفعها إلى خلف الحجب وفي الظلمات، فتنتشر بأسوأ مما لو عاملناها كمشكلة يتعين مواجهتها بالعلاجات المتخصصة.وكنا نتحاشى ذكر الأيدز أو الإشارة إليه، مع أنه كان ينتشر وينشر الأخطار، وبعد الاعتراف به ومعاملته كمرض وليس كسوء سلوك، بدأ الشباب يعي ويبادر إلى الكشف دون خجل. وهذا ساعد على محاصرة المرض في حدوده المنطقية.بعض مسئولي الجامعات يعاملون ظاهرة «البويات» كمسألة تربوية، وهي كذلك في حدود معينة، ولكني أراها في مجملها قضية مرضية، يتعين توجيه هؤلاء إلى مشرفات نفسيات في الجامعات والمدارس، ليعالجنهن ويزلن العامل المرضي ، ثم يسلمنهن إلى تربويات لتقويمهن. والأهم في هذا أسلوب المعالجة.ولنا في حملة «السكينة» أسوة حسنة، ونموذج ناجح رائع لأن الحملة وضعت مباديء عمل، أهمها أن شباب الغلو، مغرر به ومريض، بمعنى تم التعامل معه على أنه ضحية، وليس خارجياً طاغوتاً جباراً. وبعد المعالجات وإزالة كل ما يمكن أن يكون لبساً في ذهنه وفهمه وعقله ونفسه ووجدانه، تظهر حقيقته. فكثير من الشباب يكتشف أنه كان مضللاً ومخدراً وموهوماً، فيعود إلى صوابه ورشده ودينه الحق. أما الذي يستمر في غيه مدركاً واعياً عالماً، فتحق عليه الكلمة وسوء القصد.وهذا بالضبط ما يتعين فعله مع الفتيات المسترجلات، فكثير منهن مراهقات مريضات نفسيا، ومخدوعات بمفاهيم خاطئة، فهن أولاً ضحايا، وعلى الأرجح فقيرات ويعانين تفككاً أسرياً، ومعالجتهن تحتاج إلى مختصين نفسيين واجتماعيين، وداعيات معتدلات صبورات مستنيرات راجحات العقل والمنطق والعلم ويتمتعن بمهارات لغوية وفكرية رفيعة، لانتشال هؤلاء المريضات من بؤس الحال وضحالة الفكر وتواضع الفهم وظلمات النفس. وترالمهمومون، ينسجون من خيالاتهم الآلام.في العزلة وسكون الصمت، يرسمون من أوهامهم شخوصاً تتبدد في العتمة..يكتبون أمانيهم في أصوات العواصف وصفير الريح.ويتكومون في ظلمات اليأس ودوامة المتاهات إذ يحجم الصباح عن السفور.malanzi@alyaum.com