حسن السبع

حسن السبع

يحكى أن شاباً يونانياً من ميجارا كان معجباً بفيلسوف كبير من أثينا، وكان يتحرق شوقاً للالتقاء به، واستطاع، ذات يوم، أن يحقق حلمه، فشدَّ الرحال إلى أثينا لزيارة أحد أقاربه والإقامة عنده. كان قريبه أحد أعيان المدينة، واستطاع بمساعدته أن ينضم إلى مدرسة الفيلسوف. لم يجرؤ الشاب في اليوم الأول على النظر إلى وجه الأستاذ الكبير مباشرة. ولم يمتلك الجرأة على المشاركة في النقاش أسبوعاً كاملاً. وشيئاً فشيئاً خفّت حدّة الرهبة، وانحلت عقدة لسانه، فبدأ يتحدث بصوت خفيض، ومع مرور الأيام بدأ صوته يعلو شيئاً فشيئاً، ثم تجاوز أصول الحوار وآدابه، ثم صار حضوره مصدر تشويش وإزعاج للأستاذ وبقية الزملاء الذين لم يطيقوا صبرا فطردوه من الحلقة.والواقع أن تصرف هذا الشاب اليوناني يعيد نفسه دائماً ولكن بصيغ مختلفة. وفي أمثالنا الشعبية ما يفيد بأن الألفةَ تقلل المهابة، ومنها المثل الشعبي القائل: «كثرة الدَّوس تقلل المهابة».. ومعناه الذي لم يرد في لسان العرب: أن الألفة، أياً كانت صيغها وأشكالها تقلل الاحترام. ويبقى المثل الشعبي صحيحا وصالحا للتطبيق في بعض حالات التعامل. وأما صيغ ذلك «الدَّوس» فمتعددة، ومن تلك الصيغ، على سبيل المثال، التبسط والتواضع في غير محله، ووضع الأريحية في موضع الصرامة. من الناس من يقرأ السلوك الودود المتواضع قراءة خاطئة، وقد يسيء تفسير الابتسامة والكلمة الطيبة، فيمدّ رجليه ولا يبالي.. وهذا ما دفع زوربا إلى أن يذكّر صديقه الأديب بأن تعامله المتسامح الرقيق مع العمال قد يفشل المشروع، وفي انهيار المشروع خراب لبيوت العمال أنفسهم. والبشر، كما يرى الحكيم زوربا، يتصرفون، أحيانا، كالبهائم التي لا تعرف أين توجد مصلحتها، لذلك يقترح على صديقه ألا يسقط المهابةَ بينه وبين العمال. وهو، هنا، يطبق القاعدة البرجماتية القائلة: «من الصعب أن تكون محبوباً ومهاباً في وقت واحد»! لكن الألفة لا تقلل المهابة عند الأسوياء. وعليه فإن «كثرة الدَّوس» ليست سوى عامل من عوامل التواصل الجميل الذي يرسخ العلاقة. وعلى المرء أن يلبسَ لكل حالة لبوسها، فيعرف متى ومع من ينبغي أن يتبسَّط، وكيف يترك مسافة تتسع أو تضيق تبعاً لاتساع أو ضيق أفق من يتعامل معه. الحكماء الذين يَعُون عبارة الخيام «إنَّ قرْعَ الطبولِ في البعدِ أعذبْ» لا يؤخذون كثيرا بنشوة البدايات أو اندفاعاتها الأولى التي قد تتراجع يوماً بعد آخر بسبب عامل الألفة، كما رأينا في حكاية الشاب اليوناني وأستاذه الفيلسوف.. لذلك فقد يضطر المرء إلى مراعاة قاعدة «المضنون به على غير أهله» ليس في مجال الأفكار فحسب، بل وفي ما يتعلق بالتعامل اليومي أيضا. hsn_saba@hotmail.com