د. سمير الضامر

د. سمير الضامر

في البدء كانت القراءة, ومع القراءة بدأت أكتشف ذاتي, وبدأت أحب الله كثيراً لأنه منحني نعمة الأبجدية, وأسبغ علي معرفة الأشياء والكلمات والعبارات, لقد كنت صغيراً جداً يوم تعلمت القراءة, وكنت ألهو بها لهواً, وأمازحها لغواً, وكنت معها كمن يلعب الغميضة ويختبئ من صديقته الجميلة, وكنت معها كمن يلعب بأعواد الكبريت فيضج بالدهشة والبسمة كلما اشتعل عودٌ وانطفأ آخر!وفي لحظة من اللحظات اشتعل الوعي, وتفجرت حرائقه في داخلي, وأحسست بهزة عنيفة داخل الدماغ جعلتني خائفاً مرتعشاً ومستغرباً ! ما الذي حدث يا ترى؟ لماذا لم أعد أرغب باللعب مع الصغار؟ لماذا سرقتني الكتب والمجلات؟ لماذا تغيرت سريعاً؟ هل أصدقائي يتغيرون كذلك؟ أم أن الذي يتغير هو الذي يقرأ وليس الذي يلعب؟ ولكنني كنت مع القراءة كمن يلعب فلماذا انقلب سحرها؟ ولماذا سيطرت عليَّ وسحبتني لعالم الخيال والدهشة؟ لقد كنت معها في حالة دلع, وانتهينا إلى ولع مزمن وخطير :أعانقها والنـفس بعد مشـوقة إليها وهل بعد العناق تدانيوألثم فـاها كي تزول صبـابتي فيزداد ما ألقى من الهيمانولم يك مقدار الذي بي من الجوى ليشفيه ما ترشف الشـفتانكأن فؤادي ليس يشـفي غليله سوى أن يرى الروحين يلتقيانوما كان من غرفتي/عالمي الصغير إلا أن تغيرت وتبدلت كذلك, وخلعت شرنقة البدايات الطفولية, لتدخل في شرنقات طفولية جديدة لكنها بدون ألعاب وبدون أصدقاء سوى الكتب والمجلات والأوراق وأقلام الرصاص, وأذكر أنني وضعت بعض الكراتين لأجعل منها مكتبتي الخاصة وأضع فيها كتبي الصغيرة, وقصص الأطفال, وحكايات الشعوب, ونوادر الطفيليين, وألغاز تخت ولوزة, ومجلات تتلوها مجلات, حتى أن بعضاً من أهلي تضايق من هذا التغير المفاجئ على طفل صغير, ورأوا أنه بحاجة لمن ينقذه من ضلال الوعي ويعيده إلى رشد البدائية, ولكن هيهات هيهات.وشيئاً فشيئاً كبرت وكبرت أحلامي, وصرت رومانسياً شديد الحساسية بالحياة والناس, وصارت كلمة «مثقف» تستهوي عواطفي وخلجات نفسي, وازداد شغفي بالكتب والمراجع التي كنت أقتنيها من كل معارض الكتب والمكتبات القريبة والبعيدة, وأجعلها في سيارتي, ولا أدخلها البيت إلا في الليل عندما يخلد الجميع للنوم ! وأخلد أنا للوعي والضجر.كتأويل الأحاديث «دراسات نقدية ثقافية» هذا هو كتابي النقدي الأول الذي قام النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية بطباعته فله مني كل الشكر والتقدير, وهذا الكتاب هو مجموعة من الدراسات والمحاولات النقدية التي كتبتها أيام دراستي العليا في الأردن, وهذا الكتاب هو نتاج مرحلة زمنية وفكرية تشكلت فيها بعض أدواتي النقدية, وأثرت من خلالها بعضاً من أسئلتي المبعثرة حول التراث والحداثة وممارساتهما في النظرية النقدية في النصوص الأدبية السردية.لقد مرت خطواتي النقدية بمراحل ثلاث, كان لكل مرحلة أفكارها وأسئلتها وكتبها وهمومها وأساتذتها, وهذه المراحل هي :المرحلة الأولى : وهي مرحلة الضباب والتشتت وهي أيام دراستي الجامعية الأولى في الأحساء.المرحلة الثانية : وهي مرحلة البحث عن الذات والوقوع في شرك البنيوية, وهي أثناء دراسة الماجستير في جامعة مؤتة في الأردن.المرحلة الثالثة : مرحلة المعرفة الإنسانية وهي الممارسة المنهجية التي مارستها في رسالة الدكتوراة في بحثي «قصص الأنبياء في التراث الشعبي العربي» تحليل سيميائي سردي.كانت المرحلة الأولى هي مرحلة التشتت والضبابية, لاسيما أنني قدمت لهذه المرحلة وقد كنت متشبعاً بنظرة مثالية متفائلة بالحياة والمعرفة والمستقبل الجميل, وكوَّن هذه النظرة قراءاتي الأولية التأسيسية, ومشاهداتي لأفلام ومسلسلات الثمانينيات الميلادية, وصورت لي أن المرحلة الجامعية هي مرحلة الاستقلال, والاعتماد على الذات, وممارسة حريتك الفكرية والنقدية كيفما تشاء, لكن الأمر لم يكن كذلك, فقد وجدت نفسي في بيئة غامضة لا تعرف كيف تتعامل معها, إنها بيئة مفعمة بالتصنيف والاختلاف العنيف والمصادمة, ووقتها تخير لنفسك وأنت الذي جئت للعلم والمعرفة فهل ستجد الطريق ممهداً؟ أم ستقف أمام سدود المذهبيات والحزبيات, وربما تصنف في اتجاه من الاتجاهات ولا مشكلة ! لكن تصنيفك سيؤدي بك لخانة التهميش والظل, وعندها تبدأ الحيرة, فهل تختار لنفسك أن تكون سلفياً أم صوفياً أم شيعياً أم هفوفياً أم مبرزياً أم قروياً أم دمامياً أم حضرياً أم بدوياً .. أم أم أم ؟!! (يتبع)saldhamer@hotmail.com