محمد العلي

محمد العلي

الطفولة / المراهقة / الشباب/ الكهولة / الشيخوخة.. هذه المفردات عرفها الإنسان بالملاحظة الحسية ووضع لها دوالها فقط. وقد تحولت هذه المفردات نفسها بفعل العلوم الحديثة إلى مفاهيم.. أي أن لكل مفردة / مفهوم أفقا خاصا من التحولات النفسية والجسدية، يميز كل مرحلة عن أخرى.المعرفة القديمة لم تكن ترى في الطفولة وغيرها من المراحل سوى أنها وجوه للاستمرار الزمني.. هي مجرد خطوات. أما العلم الحديث فقد ألغى هذا التصور مكتشفا كل مرحلة خصائص، وأبعادا يعتبر تجاهلها أو عدم تمييزها اعتداء همجيا لا أخلاقيا عليها وعلى الكائن الذي يمثلها.السؤال الآن : هل نحن منذ البيت فالمدرسة فالمجتمع نميز المراحل ونمنح لكل مرحلة ما يقول العلم : إنها في حاجة إليه؟الجواب هو : كلا.وإذا أردت معرفة السبب لهذا الجواب السريع فانظر إلى منهج التعليم في المعرفة الابتدائية التي تعني مرحلة الطفولة، واسأل نفسك : من وضع هذا المنهج ؟ فهل ترى فيمن وضعوه عالما في النفس أو الاجتماع أو كائنا قصصيا يعرف معنى الطفولة وأبعادها الجسدية والنفسية ؟ أبدا.. إنك لن تجد أن من وضعوه يرون الطفولة كأسا فارغة نملؤها بأي سائل نشاء سواء كان زلالا أو (كدرا وطينا).إن أخطر اعتداء على هذه المراحل هو ذاك الذي يقع على الطفولة. إن المراهقة أو الشباب يملك فيها الكائن البشري قدرا من معرفة الذات والدفاع عنها حتى بالطرق الشاذة. أما الطفل فهو لم يعرف ذاته بعد، وحين يتربى على اعتبار انه لا يملك ذاتا ونحن الذين علينا أن نزرع فيه هذه الذات فنحن هنا نكون قد زرعنا فيه ذاتا أخرى غير ذاته التي فطر عليها، وبذلك لا نكون قد اعتدينا عليه وحسب بل محوناه.. وقتلنا ذاته الحقيقية وركبنا فيه ذاتا أخرى تمثلنا نحن ولا نمثله هو.. وهنا سيبقى مشوها طوال حياته وبلا ذات.كتب الزميل الشاعر حسن السبع ما يلي :«من منا نظر إلى صورته صغيرا ولم يقفز إلى ذهنه السؤال الذي قفز إلى ذهن الشاعر أمل دنقل حين تأمل صورته فقال :(أو كان الصبي الصغير أنا أم ترى كان غيري؟أحدقلكن تلك الملامح ذات العذوبة لا تنتمي الآن ليوالعيون التي تترقرق بالطيبةالآن لا تنتمي ليصرت عني غريباولم يتبق من السنوات الغريبةإلا صدى اسمي).الزمن يا صديقي لا يغير الإنسان من الخارج فحسب بل ينحت دخيلته ويشكلها كما تشكل عناصر المناخ تضاريس الأرض.أنا طبعا لا أتكلم عن التغيرات التي يحدثها الزمن التي يتكلم عنها الصديق حسن، بل عن التغيرات أو الحفر التي نصنعها نحن في الأفراد من المهد إلى اللحد.Mali@alyaum.com