مطلق العنزي

مطلق العنزي

حينما تواجه المجتمعات أزمات، يبحث الضمير الجمعي عن حلول وأسباب. وعادة ترنو الأعين إلى المسئولين في الحكومة وقادة الأحزاب السياسية والرأي ، وأي «جيركا» (كما الاصطلاح الأفغاني) من أهل الحل والعقد ، كي يجدوا حلولاً.وحينما يعجز المسئولون الحكوميون والمستشارون و«الجيركا» عن إيجاد حل ، لا يقولون أنهم عاجزون ولا يعترفون بفشلهم، لكنهم بدلاً من البحث عن حلول ، يجتهدون في توجيه غضب الناس بعيداً عنهم ، إلى جهة أخرى ، حيث كبش فداء ينفث فيه الناس غضبهم وأنفاسهم الجياشة.في أوروبا وبعد تحول القارة الكلي إلى أحضان الرأسمالية الفاحشة وفي ظل أزمة اقتصادية طاحنة وموجعة ، يبدو أن القادة الحزبيين لم يشغلوا أنفسهم كثيراً في البحث عن حلول ، وقطعًا لا يجرؤون ، في هذه الأيام المتفرجة للمستشارين الصلع ، على نقد الرأسمالية ، وأيديولوجيا عبادة المال ، لهذا وجدوا مخرجًا «جاهزًا» ومريحًا وبدأوا حملة تبدو متناغمة في أوروبا الغربية بأسرها ، ضد المهاجرين ، وتحميلهم صراحة أو إيحاء ، كل أوباء أوروبا وبطالتها والجرائم التي ترتكب في شوارعها.والملاحظ أن هذه الحملة ليست اختراعًا جديدًا ، بقدر ما تكون سلوكية أوروبية تاريخية فالتاريخ يسجل أن الغرباء واليهود والغجر قد عانوا العذاب في أوروبا الغربية في القرن الثالث عشر إلى السادس عشر ، مثلما عانوا في القرن العشرين ، ومثلما يعاني المهاجرون والغجر الذين يطاردون، الآن ، في شوارع أوروبا في مطلع القرن الواحد والعشرين . وفي كثير من الأزمات الاقتصادية ، في جغرافية أوروبا الغربية المتعددة ، كان اليهود يجردون من أموالهم ويزج بهم في السجون أو ينفون أو تعمل السيوف في رقابهم، بما فيهم الأطفال والنساء في مذابح بشعة، مثلما كانت مذابح محاكم التفتيش للمسلمين واليهود في أسبانيا من عام 1492 وعلى مدى عقود لاحقة . تعرض الغجر إلى مذابح ومنافي وكره وغضب أوروبا الغربية. وقد وصفوا في فرنسا عام 1561م، بأنهم لصوص وأفاقون ومتشردون . وطردوا منها أثناء حملة مذابح محفزة بالتعصب الديني ضد البروتستانت والمهرطقين في عهد كاترين دي ماتشي . وكان يطلق على الغجر اسم «الرومان» وأحياناً «البوهيميين» لأنهم قدموا من الشرق من حيث بوهيميا (التشيك). وجاء إطلاق لقب «بوهيمي» على المتشردين في فرنسا والعالم منذ تلك الأيام، والمقصود به الغجري . وتعيد الأقدار نفسها ليطرد الغجر الشهر الماضي من باريس نفسها في عهد نيقولا ساركوزي. وطرد الغجر أيضًا من أسبانيا عام 1499م ، مثلما طرد اليهود والمسلمين . وأيضًا مثلما يطارد المسلمون في مدن أوروبا حاليًا . وكانت لمطاردة الغرباء والمهاجرين أسباب عديدة في التاريخ، لكن العامل الاقتصادي يحضر دائمًا في أغلب المناسبات.دعك من الديمقراطية و«شعارات الهواء الطلق» ومتلقيات التصفيق فأوروبا الغربية تعود مجدداً إلى لياليها الخوالي وأيامها المتشحة بالكره، تحفزها أزمة اقتصادية خانقة. وتستخدم الحركات المعادية للمهاجرين في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وهولندا كل أسلحتها.ولأن كثيراً من المهاجرين مسلمون ، فإن شطراً من المعركة مع المهاجرين وجه إلى إيماناتهم. «معالي» المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، خرجت عن طورها واللباقة الديبلوماسية، وخلعت قناع الديمقراطية وأفصحت، قبل أسبوعين، عن حقيقة قناعاتها. فقد شنت هجوماً قاسياً ومتطرفاً وحاقداً وغير مبرر على الجالية المسلمة في ألمانيا، وهددت بصفاقة، بأن «ألمانيا مسيحية وستظل هويتها مستمدة من جذور المسيحية واليهودية». وقالت إن «القانون يحكم في ألمانيا وليس الشريعة» وهذه عبارة حق أريد بها باطل، فمن حقها أن تطلب الالتزام بالقانون الألماني ولكن ليس من حقها أن تقول هذا بروح عنصرية حادة، وإيحاء بتحقير مبطن للإسلام والمسلمين.وجاءت هذه التصريحات في إطار صراع إرادات فكرية ، بين المستشارة من جهة وحزبائها ورئيس الدولة كريستيان ولف الذي قال إن الإسلام يشكل جزءا من الهوية الألمانية، من جهة أخرى . قد امتدح المسلمون كلمة الرئيس وروحه المتسامحة، ولكن هذه الروح أغضبت ميركل وحشدها المتطرف. وبكل وضوح تساند تصريحات السيدة ميركل الآراء المتشددة التي تود تلبيس المسلمين وجهة خارجية أسباب حدوث الأزمات الاقتصادية ، كي ينشغل الرأي العام بهذه الاتهامات ويتخدر إلى حين ، ريثما يتصرف المسئولون بحيل تخرس الألسن.- وترالغرباء ، يتيهون في مد أرصفة الصقيع.تطاردهم المنافي..وتلفظهم المدن الزاهية بخصب النيون ودفء أضواء المراقص.أطفات باريس أنوارها ، واتشحت مدن الآمل بالعتمة. إذ يحتل الظلاميون منابر السلام ، ويوزعون منح الديمقراطية والحياة وفقاً لسحنات الوجوه وجهات الجغرافيا ، وأوهام الضلال.