حسن السبع

حسن السبع

يميناً دُرْ ! هذا هو عنوان بعض التوجهات التي تحاول أن تجد لها حيّزا أوسع في القارة الأوربية هذه الأيام. لكن الجوهر لا يكمن في الدوران ناحية اليمين أو اليسار، أو البقاء عالقا في الوسط. يمكن للناس أن يدوروا يمينا أو يسارا إذا كان ذلك الدوران سيؤمن لهم الحرية والتعايش بسلام، وسعة من العيش بحجم ما تطرحه الأجندات من وعود. فهل يتحقق ذلك عبر الدوران في فراغ اليمين القومي المتطرف في أوربا بشعاراته، ونجومه، وصلبانه المعقوفة، ورؤوسه الحليقة الضيقة، وأغانيه العنصرية المناقضة لأهداف الفن وغاياته الجميلة؟ يبدو أن ذلك الدوران قد أضاع بوصلته. تشهد على ذلك مواقفه السلبية من كل الأعراق والأديان والثقافات خارج تلك القارة. وتمتد تلك المواقف المناهضة للتعدد الثقافي لتطال حتى قائمة الطعام. فالكباب غير مرغوب فيه لأنه تركي، وكذلك البرياني لأنه هندي، والكشري لأنه مصري. لذلك يصعب على المصاب بتلك اللوثة العنصرية تعريف الآخر تعريفا حضاريا، أو الدخول إلى صميم عواطف الأجناس المختلفة في اللون والعرق والثقافة. أطلقْ على تلك النزعة الرامية إلى تبخيس الآخر ما شئتَ من مسميات: شوفينية نازية أو فاشية، فالنتائج واحدة: نزعة تقوم على التعصب والكراهية والعنف، وتعادي حلم اندماج وتآلف الأعراق، وتنافي قيم وأخلاق الحوار الحضاري. وتبعا لتلك الرؤية الضيقة يصبح العامل المهاجر الذي يلمّع الأرصفة والشوارع الأوربية أشبه بيتيم على مائدة اللئام؛ أولئك الذين استنزف آباؤهم ثروات بلاده أيام الهيمنة الاستعمارية، وجاء الوقت كي يسدد الأبناء بعض الديون المستحقة. يستطيع حليقو الرؤوس أن ينبحوا، فالنباح، وإن كان مزعجا، إلا أنه ليس ممنوعا في أوربا إذا لم يكن تحت عنوان “الحض على الكراهية”، وإذا لم يتحول ذلك (الحض) إلى (عض). عندما يصل النباح إلى هذا المستوى من السعار يتدخل القانون المسنود بالقوة ليفرض الانضباط. يستطيع ذلك اليمين المتطرف، كذلك، استغلال العواطف القومية، وظروف الناس المعيشية ليحقق تقدما انتخابيا هنا أو هناك. لكن البدائل التي يطرحها لتحسين أوضاع الناس غير عملية، كما أن كل خطاب يقوم على الكراهية لا يعمر طويلا، فهو ضد الاستقرار والتعايش والمصالح البشرية المشتركة، ومناقض للقيم والمبادئ التي قامت عليها أنظمة تلك البلدان. وهو باختصار: عودةٌ غير محمودةٍ للوراء. لكن مثل تلك الأصوات الشاذة موجودة هنا وهناك، وفي كل المجتمعات البشرية دون استثناء. قد تختلف الصيغ والوجوه والأقنعة واللغة والشعارات، لكن التطرف واحد. إنها أصوات نشاز في نشيد الحياة الجميل، أصوات تنافي مبادئ الحوار الحضاري القائم على التواصل ورعاية المستقبل البشري المشترك. “وبالحب وحده، لا بالكراهية، يدنو الإنسان من الحقيقة”.. كما يقول غاندي.hsn_saba@hotmail.com