مطلق العنزي
في كل الإدارات الحكومية، تقريباً، وفي معظم مكاتب الاستقبال في القطاع الخاص وحتى في بوفيهات ومقاه صغيرة، يوجد، في زاوية، صندوق أنيق جميل يسمى «الاقتراحات والشكاوى» أو «الشكاوى والاقتراحات».ولا نعلم هل يفكر أي أحد بكتابة شكاوى، وما أكثرها، واقتراحات كثيرة أيضاً، ليزجيها إلى المسئولين؟.والأهم هل يفكر المعنيون بفتح الصندوق أصلاً؟.المفروض، نظرياً، أن يفتح الصندوق يومياً. لمعرفة ماذا يتجلى في أذهان «المراجعين الأحباب» و«الزبائن المكرمين». يبدو لي أن المراجعين يرون الصندوق ويتجاهلونه و«يتحسرون». لأنهم يرون كيف يعامل بعض الموظفين المراجع وهو يقف بشحمه ولحمه ولسانه وحاله، فيصابون بمغص فكري، وتبدأ غددهم في الافرازات المتنوعة، ولا يقتنعون بأي أمل أن يهتم الموظفون بأي شكوى منهم أو بأي رأي ينتقد تصرفاتهم في ورقة «عزلاء» في صندوق يتولى أمره والعناية به و«مصيره» الموظفون أنفسهم.ثانياً ما هو مصير الشكاوى أو الاقتراحات؟على الأرجح أن موظف الإدارة نفسها يفتح الصندوق، وعلى الأرجح يعدم أي شكوى تضر به أو بزملائه الأقربين، ثم «يرفع» الباقي إلى مدير الإدارة الذي أيضاً «يفحص» الشكاوى والاقتراحات، فيتعامل مع أية شكوى ضد إدارته على أنها «كيدية»، ويتصرف و«عمك» الحبيب لا يسمع ولا يرى ولا يشم، كأنما وجد صندوق الاقتراحات فاضيا. كل إدارة عليها أن «تضع صندوقاً للشكاوى والاقتراحات في مكان بارز» حسب النظام. ولكن عملياً لا قيمة لهذا الصندوق.وأرى أنه على الإدارات العليا في الوزارات والهيئات، وكل من يحتاج إلى رأي الجمهور، أن يفكر باستحداث أسلوب آخر أكثر جدوى. وسيجدون حلولاً خلاقة لو أرادوا.وكل الإدارات الحكومية انتقلت إلى «الحكومة الالكترونية» فأسست مواقع انترنت. والمرض البيروقراطي و«الحمائية» نفسها انتقلت «واقعيا ومادياً» إلى «العالم الافتراضي».ونجد صندوق الشكاوى والاقتراحات في مواقع الإدارات الحكومية في الانترنت تحت عنوان «اتصل بنا»، وهو أكثر سوءاً وصعوبة، فالصندوق «الالكتروني» يطلب معلومات وعناوين وتفاصيل الشاكي، مما يجعله يحجم عن إرسال أية شكوى، كي لا يتعرض لانتقام الموظفين. بينما يصر الموظفون على طلب المعلومات، بحجة منع الشكاوى الكيدية وتصفية الحسابات الشخصية. وهذا حق، ولكنهم أيضاً يريدون وضع حواجز كي لا تمسهم الانتقادات. إذا كانت الإدارات والوزارات تهدف إلى الإصلاح، فعليها أن تتقبل كل الشكاوى دون طلب تفاصيل معلومات عن الشاكي، وأن تصل الشكاوى مباشرة إلى مكتب المسئول الأول، وأن يتولى موظفون أكفاء أمناء فرز الشكاوى وفحصها والتأكد، بطريقتهم، بأنها ليست كيدية، ثم يعاملونها بما تستحق.وعلى الأقل، يجب أن يتأكد المسئول الأول في الوزارة أو الهيئة الحكومية أن كافة الشكاوى تصل إليه، ولا «تفلتر» بعناية موظفين. وعلى الأقل حينما تصله كل الشكاوى، وإن كان بعضها كيديا، يستطيع أن يرسم صورة تقريبية إن لم تكن حقيقية عما يحدث في إدارته وتصرفات موظفيه. وترمعلمة المنافي.. المسافرة أبدا..تتسلى بعدّ الأشجار والحصى، والعابرين السرعى، وأرقام السيارات، كي تغتال الطريق والوقت الرتيب الثقيل.ساعات الدروب المضنية الغثة لا تمل من أكل جسدها، وبهاء الروح.تنسج علاقة لدودة مع الطريق، الذي يمتد ويتلوى كما ثعبان يتهيأ لالتهام فريسته.هي صديقة المسافة والموت، إذ ما عنّ للوحش أن يباغتها في لحظة لا يرتوي فيها الأزفلت من الدم.malanzi@alyaum.com