د.محمد حامد الغامدي
مازلنا في سوق السبت بـ(بلجرشي).. نبحث عن أنفسنا القديمة.. فقدناها.. فقدنا السوق معها.. بقي أرضا ترابية بتضاريس بالية.. ترسم عليها أقدامنا أشكالا مختلفة.. وتختفي مع وقع أقدام أخرى حديثة. تعاقب على السوق رجال ونساء.. بهامات مختلفة.. وسحن ثابتة.. ذهبوا في صمت.. بقي المكان صامتا متسائلا.. هناك من يصغي لهذه التساؤلات.. صمت يعلو سماه ملامح حزن.. لا يراه إلا من كان يعرف ماضي سوق سبتان. يهبط أمثالي على سوق السبت.. يتنادون على معالم عايشوها.. ترسبت في الذاكرة.. وظيفتها اليوم، الإيحاء بقرب الأجل.. ونجد المواساة في واقع حاضر السوق.. في أطلاله المتصدعة.. مثلنا.. السوق مشاعر دفينة.. لا يبوحون بسرها.. يعرفون النهاية.. نهايتهم نهاية لمزيد من نشاط السوق الذي يعرفون. مازلت اذكر وبسعادة ونشوة نشاط سوق السبت.. الجميع (يتبضع) من السوق.. ولمدة تغطي أيام الأسبوع.. قلة الأسواق وندرتها سمة الحياة التي كانت. تهبط الناس على السوق بوسائل بدائية مختلفة.. الأيادي تحمل الزنابيل.. بعضهم يعلق الزنبيل في مؤخرة عصاه الغليظة.. التي تستند على الكتف من منتصفها.. أغراض زهيدة وخفيفة.. كانت اقرب إلى حياة الكفاف. يتدلى الزنبيل على ظهر صاحبة.. يلامسه.. يواسيه على ظروف حياة صعبة يعيشونها.. وتشاهد يدا بـ(عروق) واضحة متعبة.. تشد الطرف الآخر للعصا.. يخلقون التوازن.. يحاولون التخفيف عن أنفسهم بمزيد من الأحمال. تهبط الناس أيضا على سوق السبت راكبة ظهور الدواب.. أكثرها رؤية صديقتنا العزيزة جدا (الحمارة).. انقرضت (الحمير) في هذا الزمن بفعل الفاعلين.. تخلّوا عن مهامها المجيدة.. لم تقدم استقالتها من الحياة.. لكن (المواتير) اجبرتها على الرحيل. هناك جانب من سوق السبت لكل أنواع الدّواب.. منها الثيران الغامدية المشهورة بأشيائها المخفية.. يتندر عليها الاخوان في زهران.. مع كل مناسبة تجمع الطرفين.. خاصة في ولائم المناسبات والأسواق.. كنت أرى الغنم والماعز.. والدجاج البلدي زاهي الألوان. نستعرض جميع أنواع الثياب المصنوعة بمهارة.. مطرزة بخيوط ملونة.. لزيادة مساحة السعادة والاستمتاع بهذه الملابس الزهيدة.. ترى زعيم هذه الملابس.. يأخذ مكانه في الصدارة.. (المصنف)، كان ذا (شنة ورنة).. في زمن عظمة الزهد والفاقة. وحتى الثياب ثابتة في الشكل والتفصيل.. مثل كل البشر في السوق.. لكل شيء (محلي) ركن في السوق.. المواشي لها ركن.. تشاهد الغنم بجانب الأبقار.. بجانب الحمير والجمال.. الكل في ساحة واحدة.. يتفرجون ويشاهدون بعضهم.. هل يتحدثون عن سعادتهم أم تعاستهم أم مصيرهم الذي ينتظرون؟! هناك من يقف على أقدامه الأربع.. لا يهمه المصير.. هناك المسترخي جاثما على الأرض.. كأنه يقول : اتركوني وحدي ومصيري.. هناك الواقف بقلق بين يدي الناس للمعاينة.. ترى أشكالها وأحجامها تعبر عن واقع زهيد يعيشونه مع الناس.. هناك فرق بين البشر وبين هذه الدواب في السوق.. الدواب تعيش اللحظة فقط.. وللإنسان أمل ينشده. في سوق السبت كنت طفلا يبيع العنب الأسود الغالي والنادر.. نجنيه بعد صلاة الفجر مباشرة.. من (الحبلة).. مزرعة العنب التي ورثها أهلي من الأجداد.. نحمله على ظهور الحمير والجمال في صناديق خاصة.. يجب أن يكون في السوق قبل أن تشرق الشمس. يتجمع أناس حول صناديق العنب البارد.. يشترونه بالجملة.. ثم يبيعونه بالقطاعي.. الكل له نصيب في هذا العنب.. حتى (الغربان) التي تحوم في السماء.. تشارك الناس مسيرتهم نحو السوق. هناك مرابط خاصة بالدواب الناقلة.. تقع في أطراف السوق .. مربوطة في حجارة مشذبة .. متناثرة بشكل يوحي أن لها صاحبا .. غالبا ما ترى حمارا ذكرا في السوق .. الجميع يتعامل مع (الحمارة).. أكثر هدوءا وسيطرة وثباتا. وترى الجمال رابضة بشموخ مكسور.. في أماكن تحت الشمس مباشرة أو تحت شجرة.. ليس رحمة.. لكن لصاحبها الذي يجلس يناولها لقم الأكل.. كأنها طفل مدلل.. من يعطف على من؟!.. جمل يحمل.. وصاحب يعتني. في سوق السبت هناك رابح وهناك خاسر.. لا يختلف عن سوق الأسهم.. لكنه سوق خال من الصدمات الجماعية.. وفي كل الأسواق تجد مقولات ثابتة.. يرددها الجميع في تعاملهم.. تصبح قانونا لفنون التعامل.. وهناك أفعال غير ناضجة تصبح مسبّة.. تردد كجزء من حكمة الاتعاظ.. هناك وسطاء وخبراء صادقون ومنصفون.. يختلفون عن خبراء سوق الأسهم.. حيث واقعهم في شعب، وتحليلاتهم في شعب آخر.. سوق السبت وجدان.. مازال يوحي ويقول.. ويستمر المقال بعنوان آخر.mgh7m@yahoo.com