حسن السبع
هل أقول ما قاله جلال الدين الرومي عن الألفاظ باعتبارها “الأشواك المحيطة بالكَرْم”؛ حيث الكَرْم هو “المعنى” وهو “الحقيقة”، أم ألجأ إلى مثال أبسط لأتفادى عبارة “كلّمْنا بالهجايص” التي كانت عنوان مقالي السابق. سآتي بمثال آخر: فقد سجّلتُ أثناء الدراسة في الخارج لدى أستاذ شديد المراس، صعب الإرضاء، يتحاشى بعض الطلبة التسجيل في المواد التي يدرّسها. كان ذلك ابتلاء جميلا. وكان الأستاذ يسألنا كلما تحدثنا أو كتبنا سؤالا لازَمَنَا طيلة الفصل الدراسي هو: “هل هذا رأي أم حقيقة”. وقد يستبدل كلمة “رأي” في عبارته تلك بكلمة “إدعاء أو زعم أو ظن أو انطباع أو تفكير رَغْبي” wishful thinking.. وهكذا. كان الطالب تحت إشرافه أشبه بـ (سيزيف) في الأسطورة المعروفة، وهو يحمل الصخرة على ظهره من الوادي إلى قمة الجبل، فإذا ما اقترب من القمة سقطت الصخرة ليبدأ العمل من جديد. كنا نضيق بصرامته ذرعا، لكننا تعلمنا منه الدقة والموضوعية والبعد عن الطنطنة وسَقَطِ الكلامِ، أي رديئه. كانت ملاحظات أستاذنا تجعل الطالب صارما مع نفسه، وناقدا شرسا لعمله. الانطباع كالرأي يحتمل الصدق إذا كان مطابقا للواقع، ويحتمل الكذب إذا لم يكن كذلك. لكنك ستجد دائما من لا يميز بين الانطباعات والحقائق. ستجد، على سبيل المثال، من يتناول قضية من القضايا الثقافية أو السياسية أو حتى خدمة من الخدمات العامة دون معرفة بتفاصيل الشأن الذي يتناوله. لكنه، مع ذلك، يتناوله بثقة العارف بخفايا الأمور، فلا تظفر منه (أنتَ) المطلع على الأشياء أو القريب منها إلا على مجموعة من المزاعم والانطباعات التي لا تنير دربا، ولا تخلق وعيا. ولو أنه أجهد نفسه قليلا، لوجه الحقيقة، واستقى المعلومة الصحيحة من مصادرها، وبحث عما خفي عليه عند من هم أدرى بشعابها ووديانها، لما صارت ألفاظه شبيهةً بالأشواك المحيطة بالكرْم؛ كرْم المعنى، وكرْم الحقيقة، فصحّ عليه قول الشاعر أبي العيناء: “ثَكَلَتْكَ أمُّك هَبْكَ من بقرِ الفلا.. ما كنتَ تَغْلَطُ مرة بصوابِ”! يحاول بعضهم أن يكون مختلفا أو نسيجَ وحده، حتى لو حاد عن الموضوعية، أو جانب الصواب، وهي حالة مرَضية لا تخفى على ذي عينين، عبَّر عنها أبو العيناء في هذا البيت المحكم فأحسن التعبير. وغالبا ما يندمج صاحب هذه الحالة في دوره فيصدّق ما يقوله أو يكتبه. ولا تملك، والحال هذه، إلا أن تدعو له بالشفاء. استقلال الرأي شيء محمود إذا ما تميز بالموضوعية والنضج، والبعد عن الهوى، وعلينا، دائما، أن نذكّر من يغريه سحرُ التفرد وبريقُ الاختلاف، أن الاختلاف إذا لم يكن خلاَّقا ومنتجا، فإنه لا يصنع ربيعاً ثقافيا. hsn_saba@hotmail.com