محمد العلي

محمد العلي

(إننا لا نعرف أنفسنا عندما لا نعرف إلا أنفسنا)هذا ما قاله أحد الكتاب الفرنسيين وهو يؤكد على أن من أوسع الأبواب إلى المعرفة هو باب (المقارنة) الموضوعية، لأنها توضح ما يمتاز به هذا أو ذاك ويحدد نقاط القوة والضعف في كليهما ثم يمد الجسر النقدي والجدلي بينهما لايضاح المشترك الإنساني بينهما.لقد تهنا في تجاهل الآخر زمنا طويلا وحتى الآن نحن نتجاهله في الوقت الذي نحن فيه (قعود) تحت شجره المثمر نتفيؤها بصلف.لماذا؟إن هذا جناية اليقين ذلك لان كل حالة وكل فكرة لا تتقارع مع حالة أو فكرة أخرى تبقى في حصن شاهق هو حصن اليقين.. كل طائفة لا تنظر إلا إلى نفسها هي طائفة تتنفس تحت حوض اليقين.ترى ماهو اليقين؟يقول القاموس الفلسفي: «اليقين لفظة تدل على الحالة التي يستقيم فيها الذهن كلما أدرك الإنسان شيئا واعتقد بان ادراكه يطابق للشيء بعينه وبان الشيء لا يمكن أن يكون إلا هكذا أي كما أدركه/ يفرض اليقين إذن اقتناعا وطيدا بصحة ما نعرف وايجابا وتصديقا به وارتياحا باطنيا عميقا لا يشوبه أي شك أو أي تخوف من الغلط».جناية اليقين إذن ـ حسب التعريف ـ هي تحوله إلى قناعة وارتياح باطني عميق.. أي تحوله إلى شيء منزرع في النفس ومن أشد الصعوبات المساس به فضلا عن اجتثاثه.الذين يؤمنون بامتلاك الحقيقة المطلقة هؤلاء هم أسرى هذا اليقين الناشئ من جهل المعرفة بالحالات أو الحقائق الأخرى.. هؤلاء يحتاجون إلى فك سلاسل أسرهم من هذا المسمى يقينا.لست من المفكرين بضرورة اليقين في السلوك البشري والتوازن الاجتماعي.. ولكن هذا اليقين الضروري هو الناتج من معاناة المقارنة بين الآراء والمفاهيم والمذاهب وبرامج الاحزاب.. مثل هذا اليقين لم يأت من النافذة.. بل من مخاض فكري ونفسي واقتصادي واجتماعي وهو لا يمكن أن يكون ثابتا بل هو يقين متحرك أي أنه دائما في حومة المقارنة.من منا وصل إلى أي يقين هو عليه الآن من خلال معاناة التمييز بين فكرة وأخرى.. من خلال سلم عقلي للتفاضل بين مفهوم وآخر؟! إن الغالبية الكاسحة ذات يقين وراثي/ سماعي.. هكذا عفوا. ومن العسير الخروج من أسواره.إننا في عالم الأفكار لا نعرف ما يسمونه التاريخانية.. لا نعرف الجذر الذي تفرعت منه هذه الفكرة أو تلك.. إن أحدنا بصرا هو الذي يبصر الأغصان والأوراق. أما الجذور التي هي فعل تاريخي/ اجتماعي/ اقتصادي.. فهو لا يراها، وقد يكون أن التاريخ انبت جذورا أخرى متنافرة معها.Mali@alyaum.com