مطلق العنزي

مطلق العنزي

طبيعي أن نختلف عن الآخرين ومعهم شكلاً وفكراً وذوقاً، وقد نتفق معهم في لمحات وأفكار ورومانسيات. نختلف شكلاً لأن الله أراد ذلك كي لا نكون نسخة واحدة، وأيضاً كي يتغزل شعراء بالعيون السود أو العسلية «المحمصة» في هجير الصحاري، ويهيم آخرون بالعيون الخضر القادمة من أراضي الصقيع، وهبوب الشمال. ولو كنا نسخة واحدة لاستبد السأم بالناس، وغابت لذة المقارنات، مثلاً لو لم تظهر هيفاء وهبي «تتغنج» في الفضائيات السماوية، لما أهينت نساء في منازلهن بسبب همجية المقارنات التي يعقدها أزواجهن بينهن وبين «الموديل» هيفاء، التي رأسمالها الوحيد هو غنجها وليس صورتها ولا صوتها ولا ما يحزنون.ويختلف الناس ذوقاً، بهدف التنوع، وأيضاً، وهو الأهم، كي لا «تبور» سلع المتاجر، خاصة في هذه الأيام التي تشتعل فيها الأسعار وتشب حرائقها في كل بيت ومكان وجيب. ومثلما استغل أناس نعمة اختلاف الأفكار لصالحهم، استغل قوم تنوع الأذواق كي «يهبروا» في لحوم الناس.نجد من يصادر الاختلاف الفكري لصالحه وفرض رأيه، وتسطير عجائبه، حتى وإن كانت سقيمة ومسمومة وانتهازية، و«ملغومة» وأحياناً ينتج عنها مآس مؤلمة.لو أن كل شيخ يوافق على تزويج طفلة قاصرة، يفرض عليه المجتمع تزويج ابنته القاصر فوراً، أو إن لم يكن أباً لطفلة يفرض عليه دفع غرامة باهظة، لننهض قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الفجر يبحث عن أدلة ويقدح فكره وعقله ويفسر ويقارن كي يتمنع عن زواج أية طفلة قاصرة وسيجد ألف دليل وحجة ومبرر وألف سبب يدرأ مفسدة تصيب الطفلة القاصر مقدمة على مصلحة يتمتع بها الزوج. الطفلة القاصر بشرع الله غير مكلفة ومرفوع عنها القلم، فكيف يتم تكليفها بمسئوليات زوج وتربية أطفال وإدارة منزل وملاوعة زوج «شايب» مصاب بلوثة استهواء الزواج من قاصرات.ولو حدث ذلك لما أقدم خمسيني نجران على الزواج من قاصر الشهر الماضي. ونجد من يصادر الأذواق أيضاً، لهذا السبب تنوع المتاجر السلع الاستهلاكية والكمالية بالذات بشكل خرافي. بالمناسبة ينفق الناس أغلب دخولهم على السلع الكمالية، بينما الأساسية لا تشكل سوى نسبة بسيطة قد لا تصل أحياناً إلى الربع، وذلك بفضل ثقافة الاستهلاك التي يتم ترويجها في كل وسائل الاتصال الجماهيري، حتى أصبح الإنسان «حيوانًا مستهلكًا» أولاً وثانيًا كما تقرر أدبيات الرأسمالية الفعالة النشطة، وليس «حيوانًا اجتماعيًا» كما يسطر علماء الاجتماع في كتبهم، ولا «حيوان مفكر» كما يرى الفلاسفة.وبعد إعادة تشكيل الإنسان إلى كائن مستهلك ذهناً وفكراً وجسداً، وبعد أن صادرت المدن والثقافة الصناعية خيارات البشر وقيدت السلطات الحكومية بمبدأ حرية السوق، بدأ مبشرو الاستهلاك في استعباد الإنسان مجدداً. وأصبح الناس تحت رحمة السوق، وألاعيبها، وممارستها التي تراوغ الرقابات الحكومية، لهذا السبب توجد سلع لمجرد إغراء الأطفال، وسلع مغشوشة، وسلع لا فائدة منها، إن لم تكن مضرة صحياً، تفرض على المستهلك بسطوة الإعلانات التجارية واحترافيتها، بهدف واحد ووحيد هو السطو القانوني على مدخرات الناس. وتر صوتك وخصل الشعر تمتزج بنسائم قادمة من فجر شرقي، وشذا عطور فياض وشمس صباح الثويرات الذهبية وذرى مجزل، إذ يعانق الوادي الخصيب مهد النفوذ وثرى الغاط ويصب في روعها الظاميء فيض الحياة. وتغرد أبابيل خباري العوشز أفراحها وتشدو لكرائم الغيم وأشجان الإثل المتطاولات الشواهق.malanzi@alyaum.com