خليل الفزيع
من أصعب المشاكل التي تواجه المواطن وتقض مضجعه، مشكلة السكن، وهي مشكلة تتفاقم يوما بعد يوم، بازدياد عدد السكان، نتيجة ازدياد نهم أصحاب العقارات في الاستيلاء على ما هو ممكن من دخل محدودي الدخل، وهو دخل لا يحسد عليه مقارنة بتكاليف المعيشة ذات الارتفاع السريع.فالخريج الجديد إذا تحقق حلمه بالحصول على وظيفة، وتغلب على مشكلة البطالة، سيواجه مشكلة أخرى هي تدني مستوى الراتب، وهذا التدني مشكلة عامة مقارنة بالغلاء الفاحش الذي هجم دون رحمة على الجميع، وشمل كل شيء من علبة المناديل الورقية، إلى تكاليف الزواج وقيمة السيارة وإيجار السكن، وإذا استغنى الفرد عن علبة المناديل الورقية، كيف يستغني عن الزواج، وهو ما أمر الله به ورسوله، وكيف يستغني عن السيارة في هذه الأجواء الخانقة صيفا والموحلة شتاء، ناهيك عن الطرق المغلقة التي تحاصره، والتحويلات الإجبارية التي تضيق عليه الخناق، حتى تحولت المدن إلى متاهة بالكاد يمكن للمرء الإفلات من منعطفاتها، وكيف يستغني عن السكن، اذا أراد ان يكون أسرة تشعره بأنه مواطن مستقل عن أي وصاية من ذويه، الذين قد يضيقون به ذرعا بعد ان يصبح قادرا على تحمل أعباء حياته، وإذا تقبلوه فلن يتقبلوا زوجته وأولاده، أليس هذا منطق العصر؟في الحالات الاضطرارية جدا قد يستغني الإنسان عن السيارة بل وحتى عن الزوجة، لكنه حتما لا يستطيع أن يستغني عن السكن، وهذا همه الأساس منذ وجد على ظهر البسيطة، وفي العصور الحجرية كانت الكهوف ملجأ الإنسان للوقاية من الحيوانات الضارية، ومن الكوارث الطبيعية، ومن تقلبات الجو في الصيف والشتاء، حتى دفعته الحاجة وهي أم الاختراع للوصول إلى صنع الأكواخ، وبعدها البناء، ومن البناء البدائي المتواضع، إلى ناطحات السحاب ومشاريع الاستثمار العقاري الضخمة كالمجمعات والمدن الاستثمارية التي تملكها شركات تمتد نشاطاتها إلى أماكن كثيرة في هذا العالم المحموم بسباق التسكن.يقولون ان أعداء الانسان ثلاثة، هم الفقر والجهل والمرض، وقد تغلبنا او كدنا على بعضها، لكن الفقر لا يزال منتشرا، وفي سباق غير متكافئ مع الغلاء الذي لا يتناسب أيضا مع مستوى دخل الفرد، ويهمنا هنا غلاء السكن باعتباره ضرورة ملحة للإنسان، لا غنى له عنها مهما كانت ظروفه المادية صعبة، وقد أسهم صندوق التنمية العقارية في حل جزء من المشكلة، وكذلك عمائر الإسكان التي لم يتعود المواطن على اتخاذها مسكنا له، ومع ذلك اضطر لقبولها، كما أسهمت بعض البنوك في هذا المجال وفق شروط تعجيزية، وكذلك بعض المؤسسات والشركات العقارية التي تعهدت باستنزاف ما يمكن استنزافه من دخل الفرد، وبعضها افلس وذهبت مع افلاسها أحلام المواطن ادراج الرياح، ومع كل ذلك لا زال العرض اقل بمراحل كبيرة من الطلب في الوحدات السكنية، حتى لتبدو هذه الحلول متواضعة جدا أمام مشكلة تتفاقم يوما بعد يوم كظاهرة عامة يؤدي تجاهلها إلى مزيد من التعقيدات والمشاكل التي لها أول وليس لها آخر.نسبة الذين يملكون وحدات سكنية من المواطنين الى نسبة الذين لا يملكون.. ضئيلة جدا، فالتمدد الديمغرافي للمدن والقرى واتساع نطاقها العمراني يمكن ملاحظته بسهولة، وهو تمدد ناتج عن النمو السكاني وما يعنيه من زيادة الطلب على الوحدات السكنية، مما يوسع الفجوة بين العرض والطلب، مع ان حديثنا هنا عن امتلاك المواطن للسكن وليس الإيجار، وهو حديث الأماني شبه المستحيلة.الدولة مسؤولة عن توفير السكن المريح لكل مواطن وبالمجان، هذه هي الاستراتيجية التي على المسؤولين تبنيها، وهي اولى بالاهتمام من غيرها من المشاريع مهما بلغت ضخامة هذه المشاريع وتكاليفها العالية، فلا الطرق، ولا الشوارع، ولا الواجهات البحرية ولا المستشفيات ولا المدارس أولى بالاهتمام من تملك المواطن لسكن يحميه ويستره وعائلته من مفاجآت الحياة والزمن.