حسن السبع
«أكتب في ما يفيد الناس»! قد يصلك هذا الاقتراح تعليقاً على مقال كتبتَه من شخص يجيد القراءة والاستيعاب، لكن مفهومَ الفائدةِ عنده مختلفٌ عن مفهومها عندك. فهي عنده فائدة، وهي عندك من سَقْطِ القول. والفائدة والجمال نسبيان، وهما مختلفان باختلاف زاوية النظر إليهما. وقد يصلك مثل ذلك التعليق من شخص آخر لا يجيد التلقّي، أي أنه لا يستوعب ما يقرأ. وهو أميٌّ، وإن كان حائزاً على شهادة عالية. وهو أميٌّ وإن تعلم القراءةَ والكتابةَ على طريقة (العلمو نورن). وقد أفاض بعض التربويين في العالم العربي، وبمرارة، عن تدني مستويات القراءة والكتابة والتعبير والاستيعاب والاتصال، وحذروا من تلك الظاهرة المقلقة. لذلك كله فإن المعنى الأبعد لعبارة «أكتب في ما يفيد الناس»! قد لخصه سعيد صالح في (العيال كبْرتْ) وهو يخاطب أخاه المثقف بقوله: «انته بتقول كلام كبير قوي .. يصعب على أمثالي فهمه .. كلمنا بالهجايص .. يمكن نفهم»!في السياق نفسه، تذمر أحد الأصدقاء الكتاب قائلا: «هؤلاء لا يقرؤون». ولم يقصد بعبارته تلك أنهم لم يتعلموا القراءة. بعضهم يحمل شهادة عالية، وبعضهم تعلم القراءة في فصول محو الأمية، وهذا إنجاز رائع، وقد يكون نافعا عند مراجعة الدوائر الحكومية، أو قراءة اللوحات الإرشادية على الطريق، أو معرفة محتويات قائمة الطعام في المطاعم العربية. لكن عبارة «هؤلاء لا يقرؤون»! تشير إلى أمية أخرى تتعلق بالتلقي وباستيعاب النص المقروء وتأويله. وهذه الأمية أسوأ بكثير من عدم معرفة القراءة والكتابة. ومكمن السوء فيها أنها تدعي الفهم فتسيء التأويل، وتحمّل النص حمولاتٍ لا صلة لها به. أو أنها تناقشك في تفاصيل لا علاقة لها بصلب الموضوع، فيتحوّل المتن إلى هامش، وتتحول تلك التفاصيل إلى متن. وتلك هي القراءة الناعسة التي تلامس سطح النص ولا تسبر أغواره. هذا التلقي البائس هو ثمرة سنوات من الحفظ والتلقين الذي تنتهي صلاحيته بانتهاء آخر يوم من أيام الامتحانات. وهو ثمرة طرق التعليم التقليدية التي لم تساعد على تأهيل قارئ مبدع، بل ساهمت، دائما، في تكوين قارئ اتكاليّ هشٍّ لا يستوعب إلا السائد والمألوف والجاهز من المضامين والأشكال، حتى لا يرهق رأسه، وهو القارئ نفسه الذي يقترح عليك أن تكتب في «ما يفيد الناس».. ولأنه لا يجيد التلقي، فهو لا يعرف «ما يفيد الناس». وأنت لا تجيد أن «تكلمه بالهجايص» على طريقة الفنان الراحل أحمد زكي. يقال: «لا يوجد ما هو أغبى من صدى»! فمن ذا الذي يقبل أن يكون صدىً لصوت شخص آخر، أو جسراً لعبور قناعاته وتوجّهاته و..»فوائد» تلك التوجّهات، إن كان لتلك التوجّهات فائدةٌ تُذكر.. hsn_saba@hotmail.com