محمد حمد الصويغ

محمد حمد الصويغ

من علامات الفرح الاحتفالات التي تقام بمناسبة الزواج دون بذخ أو تبذير ومن علاماته أن يبشر المرء بمولود أو ترقية أو علاوة أو أن يتمتع الموظف بإجازة اعتيادية يقضيها مع عائلته في منتجع من المنتجعات السياحية أو نحوها من الأمور التي تعود على الإنسان بالبهجة والسرور والانشراح ‘ ومن علامات الترح أن يلف المرء الحزن بردائه ويبدو على محياه العبوس وقد يذرف الدمع ساخنا ان فقد والديه أو أحدهما أو أحد أقربائه أو أصدقائه لأي سبب من أسباب الموت وان كنت أرى أن الحوادث المرورية كما هو ملموس ومشاهد تعد السبب الرئيس أو الأكثر شيوعا في الوفيات التي تتصاعد أعدادها يوما بعد يوم حيث تحولت المركبات الى أسلحة فتاكة يتقاتل بها البشر في هذا الزمان ‘ أي أنها تحولت الى نقمة لا نعمة ‘ فمن لم يمت بالسيف مات بغيره ‘ وأظن أن خير تفسير لهذا الغير هو هذه المركبات التي تزهق تحت عجلاتها ملايين الأنفس في العالم كل عام ‘ وهو تفسير “ عصري “ أميل إلى صدق سريانه على البيت الشهير : من لم يمت بالسيف مات بغيرهتعددت الأسباب والمــوت واحد وما أردت بهذه الديباجة العجلى التي طرحت خلالها بعض علامات الفرح والترح إلا الشروع في تبيان عادات ذميمة للغاية بدأت تسري بين صفوف مجتمعنا للأسف الشديد كما تسري ألسنة النار في الهشيم أثناء المآتم  ما أنزل الله بها من سلطان  فما ان يودع الميت الوداع الأخير في هذه الدنيا الفانية بعد أن يوارى على جثمانه الثرى في المقبرة مصداقا لقول الشاعر : كل ابن انثى وان طالت اقامته يوما على آلة حدبـــاء محمولأقول ما ان يتم ذلك حتى يعم الحزن الجميع ويبدأ المعزون في ترديد الجملة الشهيرة وهم يصافحون أقرباء الميت : “ عظم الله أجرك “ لفترة من الوقت قد لا تتجاوز نحو ربع ساعة على وجه التقريب ثم يبدأون الخوض في أحاديث جانبية وهامشية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بذكر مناقب الميت وحسناته ومآثره وذكرياتهم معه وما قد تحمله من عظات ودروس وعبر . يحدث هذا والجميع في المقبرة لمّا ينصرفوا منها بعد وقد تزاد على تلك الأحاديث الهامشية بعض “ الضحكات والقهقهات “ التي يطلقها المعزون في وقت لا يجوز فيه اطلاقها ‘ ثم يمتطي الجميع مركباتهم متوجهين إلى مقر العزاء لمواصلة ما انتهوا إليه من “ دردشات “ تدور في معظمها حول كرة القدم وأسعار الأسهم والمسلسلات الفضائية ونحوها من الأحاديث التي لا علاقة لها بالموت وتذكر الأموات ‘ وبعد صلاة العشاء تبسط الموائد التي “ يوصي “ أقرباء الميت باعدادها من قبل المطابخ المخصصة باعداد الولائم بعد غسل الميت أو قبل الصلاة عليه في المسجد أو المقبرة ‘ ولا يدل معظمها إلا على بذخ وإسراف و “ كرم مذموم “ لا يجوز أن تمارس في ترح أو فرح .. وقد “ تطور “ الأمر في هذا الزمان فتحولت تلك الموائد التي تذبح فيها عشرات الخراف الى “ بوفيهات “ يتوفر فيها ما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات . وتنقلب علامات الترح في تلك المآتم رأسا على عقب وتتحول الى علامات ظاهرة من الفرح ‘ وقد عرف عن السلف الصالح أن جيران المتوفى يعمدون تقديرا منهم لحالة أسرة الميت وأهله المحفوفة بالحزن في اليوم الأول تحديدا الى اعداد عشاء “ بسيط “ للغاية لأهل الميت لا للمعزين تدل على الزهد والتقشف في ساعات لا يجوز استغلالها الا في تذكر النعم التي أسبغها رب العزة والجلال على عباده وما سيؤول اليه مصيرهم يوم الحشر العظيم  أما أوقات العزاء فان من الأفضل قطعها في تدبر آيات الله وسيرة خاتم انبيائه ورسله عليه أفضل الصلاة والسلام بدلا من “ الحش والنهش “ في الخلق وقطع تلك الأوقات في أحاديث دنيوية فارغة ‘ وأخشى ما أخشاه أن يتطور الأمر الى الأفدح مع “ تغير “ تلك العلامات وتبدلها فتعمد بعض الأسر بدلا من اقامة أيام العزاء في المنازل أو في خيام تنصب عادة في  الأراضي البيضاء القريبة منها الى حجز القاعات المعدة للأفراح لاقامة العزاء في أروقتها وان حدث ذلك فليس بمستبعد أن تجلب “ الفرق الفنية “ الى تلك القاعات لاحياء أيام العزاء ولياليه .  mhsuwaigh98@hotmail.com