محمد العلي
يقف كثير منا أمام ظاهرة (الترحل) الفكري مستغربا متسائلا : ما الذي جعل هذا اليساري المدجج بالحماسة والحامل لأكثر من سيف ينقلب إلى يميني سابح في أحواض الميتافيزيقا ويحمل حجارة من سجيل لرجم أعدائه؟التساؤل هذا ليس حديثا، فقد ولد منذ خروج المجتمع الإنساني من مجتمع فطري غريزي عفوي إلى مجتمع ثقافي.. أي منذ تعدد الأفكار وتفاوتها عمقا في قراءتها لوجوه الحياة المختلفة.. ولكن السؤال بقي دون إجابة غير كلمات مثل: ارتد/ تزندق/ اهتدى/ عرف الصراط المستقيم/ تعثر وانحرف.. وهذه كلمات (معيارية) لا تجيب عن جوهر السؤال وهو لماذا حصل هذا؟في مقالة الاستاذ عبدالله المطيري (الموقف الفكري حين يسبق التفكير) الوطن 9/5/2010 نرى إجابة مختلفة.. إنها تقول ما مضمونه «إن الحالة التي تمر بها ساحتنا الفكرية يتخذ فيها الموقف قبل التفكير في الذات، هل هي مع أو ضد أو محايد بل يتخذ الموقف اتخاذ المشجع وبذلك يلغي ذاته».أسلوب ديكارت هذا (بدء المعرفة من الذات) يمكن أن يفيد في تعليل المواقف الفكرية (الوراثية) التي ينشأ عليها الأفراد تربويا بدون المرور بجدل الذات/ الموضوع.. أما المواقف الثقافية والايدولوجية الجديدة والمواقف السياسية فهي لا تندرج تحت هذا التعليل فهي مواقف اتخذت من خلال خيارات حتى لو سلكت طريق التشجيع.غير أن هذه المواقف لم تتخذ من الأفراد بسبب واحد وغاية واحدة.. إن شخصا ما اتجه يسارا لا ينحصر هذا الاتجاه في أنه فكر أو لم يفكر فيه بل هناك داخل الفرد أشياء عديدة تدفعه إلى هذا.. بعضها يلتصق بالذات وبعضها الآخر ينطلق إلى أفق إنساني وأخلاقي يعم الذات والذوات الأخرى.إن المسألة مسألة قيم.. فهذه القيم التي انطلق منها هذا الفرد إما أن تكون متعلقة بالإنسان وتحقيق مستقبله الأفضل .. وأما أن تكونه متعلقة بالفرد نفسه لتحقيق الذات أو الشهرة أو قطف الفوائد مادية أو معنوية.. وإذن فنحن هنا أمام نوعين من القيم .. قيم ثابتة لتعلقها بالإنسان ككل .. وهذه لابد أن يكون المنطلق منها ثابتا.. وقيم متحركة آنية.. وهذه من السهل على المنطلق منها أن يمشي على قدميه أو على رأسه أو يطير إلى فوق أو تحت.إن من يتجه إلى اليسار منطلقا من القناعة الراسخة بان هذا الاتجاه هو الذي تتحقق به مصلحة الإنسان وهو من جملة أفراده مؤمنا بان أهدافه هي أهداف الآخرين جميعا.. لا يمكن أن ينحرف.. نعم يمكن حسب نمو المعرفة ان يعدل هذه الفكرة أو يلغيها واضعا مكانها فكرة اشد بياضا ولكنه لا ينحرف.. أما إذا انطلق يساري ما من مصلحة ذاتية فهو سيكون بدون شك في مهب ريح صرصر عاتية.يبدو لي هنا أننا في أمس الحاجة إلى علمي النفس الفردي والاجتماعي لدراسة مثل هذه الحالات التي ينصب عليها الترحل خيمته ويطويها حسب ساقط المطر، وهنا نسمع السياب يقول:(أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟).mali@alyaum.com