خليل الفزيع

خليل الفزيع

ما دام الابداع هو صدى الواقع او مرآته التي تعكس كل تفاصيله الصغيرة والكبيرة كما يصر بعض النقاد، فهل يأتي الابداع رديئا ما دام يجسد واقعا رديئا؟ والاجابة عن هذا السؤال لا تحتاج الى كثير عناء لان المسألة برمتها مرتبطة بالقدرات التي يتميز بها أي مبدع عن سواه، والتفاوت بين المبدعين حتى في طرح المضمون نفسه.. أمر معروف ولا يمكن انكاره.إن ما يحدث بالفعل هو العكس.. فنحن نقرأ ـ أحيانا ـ أدبا جميلا لواقع قد يكون رديئا، لكن سوء حاله لم يمنع الكاتب من نقل ما فيه من جوانب انسانية تتوافد بسببها جحافل الاعجاب لتؤكد قدرة المبدع على الانتقال بالمضمون الى حالة من الصدق الفني تأسر المتلقي، وتستحوذ على قلبه وعقله، فلا يملك سوى التعاطف معها والاعجاب بها.والمضمون وان كان يلقي بظلاله على النص.. الا ان المبدع المتمكن يستطيع ان يخرج المتلقي من اجواء المضمون الكئيبة او الحزينة او المنافية لما يجب ان تكون عليه في ضوء معطيات الواقع ومؤشراته، بعد ان تتعرض هذه المعطيات والمؤشرات لأيد عابثة تنتقل بها من حالتها الطبيعية الى حالة مشوهة نتيجة ذلك العبث المسكوت عنه.. المبدع يخرج المتلقى من الاجواء الخانقة الى فضاءات واسعة من الامل تحمل البشارة لغد واعد بالافضل والاجمل والاكثر تفاؤلا وفرحا.فهل يعني هذا ان المضمون بمعزل عن العملية الابداعية عندما يمارسها المبدع باقتدار تتلاشى معه تشوهات الواقع واحباطاته؟ليس صحيحا ان المضمون بمعزل عن العملية الابداعية فهو جزء اساس .. منه تستمد بعض مقومات نجاحها، وعليه تعتمد في الاستحواذ على اهتمام المتلقي، لكن المسألة مرتبطة بالدرجة الاولى بقدرة الكاتب على تطويع مضمون النص ليواكب العملية الابداعية وينسجم معها وليكون التلاحم بينهما عضويا يصل الى درجة من التماهي لا يمكن معها الفصل بين مقومات نجاح العمل الابداعي، فالمضمون سواء حاكى الواقع او تجاوزه هو المادة الخام التي يشكلها المبدع وفق ادواته الابداعية التي يتميز بها عن سواه، لذلك نرى ان لكل مبدع لغة واسلوبا يتميز بهما عن غيره، وهو تميز لا يكتسبه الا قلة من المبدعين الذين تمرسوا في تعاطي العملية الابداعية، وتعاملوا معها بحدية ومسؤولية، تجسد احترام وعي المتلقي، الذي اصبح اكثر قدرة في معرفة الغث من السمين، وهي حالة او نتيجة اصبح معها من الصعب على المبدع تمرير ما يريد.. على المتلقي، دون ان يتلقى منه اشارات التحذير حتى لا يمضي موغلا في هذا الطريق.في دول افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية ظهرت اعمال ابداعية فريدة عن اوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية متردية، لكن هذا لم يمنع بعض مبدعي تلك البلاد من تجاوز ذلك التردي، واتحاف الأدب العالمي بروائع انتاجهم، اعتمادا ليس على المعايشة والتجربة الذاتية فقط، ولكن على الموهبة الابداعية، فلا المعايشة ولا التجربة الذاتية يمكن وحدها ان تصنع ادبا متميزا اذا فقد الكاتب الموهبة، والقدرة على العمق في سبر اغوار النفس البشرية، والغوص في اعماق الاحداث وابراز جواهرها بالتحليل لا بالسرد الحكائي الممل.ان رداءة الواقع لم تمنع انتشار ما انتجته الثورة الفرنسية او الثورة الروسية، او الحرب الاهلية الامريكية او الحرب الاهلية الاسبانية، او غيرها مما انتجته الفواجع والكوارث التي مرت بها البشرية.. رداءة ذلك الواقع لم تمنع انتاج روائع الأدب العالمي شعرا وقصة ورواية بل كان ذلك الواقع هو سر بقائها وزيت قناديلها، ووقودها مشاعلها، التي ساعدتها على ان تستمر في انارة الطريق امام الأجيال التالية.