مطلق العنزي

مطلق العنزي

يوم الثلاثاء صادف احتفالات العالم بـ«يوم المعلم» الذي يهدف تذكير الدنيا بجهود المعلمين ومساهماتهم في التعليم وبالتالي بالتنمية وارتقاء المجتمعات. ووفقاً لمنظمة «يونسكو»، المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم، يهدف اليوم إلى « تعبئة الدعم وللتأكد من أن احتياجات الأجيال القادمة سيوفرها المعلمون بكفاءة».وفي الحقيقة كل ما نستعمله ونشاهده ونأكله ونشربه ويعالج أوجاعنا ويواسي آلامنا، وكل هذا الضجيج الأممي للآليات الهادرة في الجو والبحر والبر، هو من نتاج المعلم والمعلمة.وجد التعليم مبكراً وبدأ المعلمون منذ أولهم أبونا آدم عليه السلام مرورا بأبقراط وهميروس والخوارزمي وابن سينا وابن رشد وفولتير وروسو وغيرهم كثيرون وليس انتهاء بالعلماء والمعلمين والمعلمات المعاصرين، جهادهم الفذ لمحاربة الظلمات.باختصار لو لم توجد هذه السلسلة الطويلة، بطول الحياة والتاريخ، من المعلمين والمعلمات لكنا الآن، نضع رجلاً على رجل و«نتمتع» بلوك أغصان الأشجار، كوجبة يومية ووحيدة. ونرى ذلك ذروة الرفاهية وغاية «الأتيكيت». وبعد هذه الوجبة الهنية «نتقامز» في الغابات والصحاري حفاة عراة بين الأفاعي ودواب الأرض، ونجفل قطعاناً من صفير الرياح.المعلمون (والمعلمات) هم الذين أحدثوا هذه النقلة من وجبة من غصن شجرة جاف، إلى «بوفيهات» المطاعم الزجاجية.ومن امتطاء أرجلنا وأصابعنا يدميها الشوك، إلى امتطاء «الجامبو». وتحول العالم من الاتصال بالإشارات إلى الستلايت والجوال والانترنت، و«غوغل».المعلمون والمعلمات هم الذين ينشرون المعرفة والعلم والنور في أرجاء الدنيا.ومع ذلك لا يعطي العالم للمعلم (المعلمة) إلا قليلا من الاحترام الذين يعطيه للذين يكتنزون الأموال. وأصبح الناس يهتمون بالذي يصلح سياراتهم ويولونه الاحترام الفائق، بينما لا يتورعون عن إهانة المعلم والمعلمة اللذين يشكلان عقول أبنائهم.حينما كانت وسائل التعليم والعلم شحيحة، كان المعلمون والمعلمات نادرين ويحظون بالاحترام الجم في كل مكان يحلون فيه. أما اليوم فإن مالك محل شاورما أو تغيير زيوت سيارات أو مكتب عقاري، يحظى بالإجلال أكثر مما يحظى به ألف معلم وألف معلمة لو جمعوا على صعيد واحد.كان المعلم يتصدر المجالس، ويقف له الحضور احتراماً، ولكنه الآن يدخل المجالس ويغادرها، دون أن يهتم به أحد. وأصبحت الإهانات توجه بالكوم إلى المعلمات من نوعيات رديئة فكرياً من الأمهات والنساء الجاهلات.لماذا؟لأن المعلم (أو المعلمة) لا يعمل موظفاً في شركة سياحية يرجى منه تسهيل السفر، ولا موظفاً في مكتب العمل يرجى منه التغاضي عن عدد الفيز. ولا جندياً في المرور يرجى منه الفزعة في المخالفات، ولا موظفاً في البلديات يجرى منه «تدبير منحة»، ولا مصرفياً نعرف منه الحسابات وتسهيل الأمور، ولا سكرتيراً لمسئول كبير يرجى منه واسطة.أنه «فقط» معلم ينهمك في مهمة لم نعطها أية أهمية، هي تشكيل أدمغة أبنائنا. بل أن المعلم الآن يخشى طلابه ويخشى أولياء الأمور الجهلة الأنانيين، وهم كثر، الذين كثير منهم ترسلهم «الامهات» لخوض معركة مع المعلمين والمعلمات.وبهذه الرؤية الاجتماعية غير اللائقة بأهمية المعلم، تدنى مستوى التعليم ومستوى بعض المعلمين.وحصدنا ذلك أن يتحول الطلاب إلى قطعان تستعرض عضلاتها وتسيء إلى الناس، بحجة الاحتفال باليوم الوطني.وحصدنا ذلك أن تحول بعض من شبابنا إلى قنابل موقوتة يفجرون أنفسهم في شوارعنا وفي مقرات جنودنا ومسئولينا، والتهجم على علمائنا وشيوخنا ضلالاً وتجرؤاً على سوء الأدب، بينما لم يكن أي منا يجرؤ على توجيه كلمة نابية لمن هو أكبر سناً، فما بالك بتوجيه السباب والشتائم لشيوخ ومعلمين ومعلمات.اهتمام وزير التربية وحده لا يكفي لإعادة الهيبة إلى المعلم والمعلمين. المهم أن يهتم المجتمع بهذا المعلم (والمعلمة) الذي يجاهد ويعاني ويتألم ويهان كل يوم، من أجل أن ينشر النور والمعرفة وحماية كرام البلاد ومستقبلها.وترالمعلمون والمعلمات..يا أفئدة النور..ووقود زمن التحولات،أنتم، يا روعة هذه الدنيا، في نبض القلب، إذ تنخرطون في جهادكم الطويل في حروب الظلام، كي تفسحون السبيل لومض الفجر وشمس الصباح.malanzi@alyaum.com