حسن السبع

حسن السبع

الزمان: بداية التسعينيات، وما أدراك ما بداية التسعينيات! أما المكان فهو (خليج نصف القمر) الحيّز الخاص بموظفي أرامكو. كان مساء مقمراً حافلا بالثرثرة الممزوجة بصوت حركة المد والجزر. الأحاديث تترى، والتداعيات تولد تداعيات أخرى. ولا أذكر، الآن، ما الذي دفع أحد الأصدقاء إلى أن يعلق وبلهجة ساخرة قائلا: «أنا لا أشاهد نشراتِ الأخبار». ما أثار دهشتي، يومئذ، أننا كنا نمر في بداية التسعينيات بأحداثٍ تجعلنا أسرى شاشة التلفزيون شئنا ذلك أم أبينا. كنا أشبه ببطل قصة الصديق عبد الله العبد المحسن (السالومي سابقا) المعنونة (الانباء) الذي طالت أذناه بسبب مواظبته على سماع الأخبار! كانت حجة صديقنا أنه لا يحصل على المعلومة الصحيحة من خلال مصادر المعلومات المتاحة، وأنه غير قادر على التأثير في ما يجري حوله. ومعنى ذلك أن الأحداث تتوالى بالشكل المرسوم لها، فما جدوى الاهتمام والمتابعة وحرق الأعصاب؟ اعتبرت ذلك شكلا من أشكال الغياب القائم على فكرة اللاجدوى. وكتبت، آنذاك، مقالا أنتقد فيه ذلك الموقف. بعد عقد من الزمان، وسلسلة من المآزق المشابهة لما كنا عليه، بدأت أتفهم الحالة النفسية لصاحبي، وأتعاطف إلى حدّ ما مع موقفه. لكني لم أمتنع يوما واحدا عن مشاهدة الأخبار وبقية البرامج الأخرى. مع ذلك كتبت، في ما بعد، حلمنتيشية تقول: «زار الطبيبَ يشتكي/ من ارتفاعِ الضغطِ والسّكرِ والدّوَارْ/ والأرقِ الدائمِ بالليلِ وبالنّهارْ/ جسَّ الطبيبُ جسمَه/ من قمّةِ الرأسِ إلى الأظفارْ/ ثم انتهى من فحصه وقال: «لا تستمعْ لنشرةِ الأخبار»! كان الطبيب محقا، فنشرات الأخبار حافلة بالحماقات، وبمشاهد الاقتتال الذي لا معنى له، بالقتلى والمشردين، بوحشية الإرهاب وهمجيته، بضحايا المجاعات والكوارث الطبيعية. كان تشخيص الطبيب سليما، لكن نشرات الأخبار وحدها ليست سببا في ما أصاب ذلك المريض العربي. ولا بد أنه يتناول بعد وجبة الأخبار ما تبثه بعض الفضائيات التي كرست وقتها لمساجلات عقيمة تجتر الماضي، وتنبش قبور الموتى، لتحاكمَ الأديم، أو أنه يقرأ تعليقات المشاهدين على الأحداث، وهي تعليقات تدل على أن الوعي لم يمر من هنا. لقد كنا قبل انتشار فضائيات اجترار الماضي أحسن حالا. لا لأننا كنا أكثر وعيا وتقدما، بل لأن هذه الفضائيات قد كشفت المغطى. وأفقنا على حقيقة مرة تناقض ما زعمه الشاعر محمد الفيتوري الذي صدقناه في بداية الستينيات، عندما قال: «الملايين أفاقتْ من كراها/ ما تراها ملأ الأفقَ صداها»! لقد أصبحت عبارته، هذه الأيام، نكتة نكتاء تضحك حتى ضحايا سوق الأسهم. ليأتِ الفيتوري إلى أيامنا هذه، وليستمع إلى صدى تلك الأصوات التي بالغ في تصوير وعيها، فقد يغير رأيه ويفرّ متشبثاً بموته! hsn_saba@hotmail.com