محمد العلي

محمد العلي

(أحبك أنتِ أيتها الكلمات التي تضحك مهما عبس الفضاء، أو أنت التي ترقصين مهما كانت كثيفة وعالية تلك السلاسل والأسوار التي يضربها حولك الموت) أدونيس (الحياة) 22/9/2010.أدونيس لم يوضح نوع الكلمات التي يحبها والتي تتصف بكونها تضحك مهما عبس الفضاء وترقص رغم السلاسل التي يحيطها بها الموت.لم يقل أحب اللغة باعتبارها معشوقته النجلاء التي يتغزل بها دوماً، بل حدّد ما يعنيه بالإشارة (أنت) فهل يقصد ما يتغنى به الشعراء إن صدقاً وإن كذباً مثل البحر، الأزهار، النجوم.. وكل ما يبعث البهجة ويجعل الإنسان أشد زهواً بالحياة وعلى رأسه ألوان الجمال الأنثوي.طبعاً لا, هو لا يقصد مثل هذه الكلمات؛ لأن معانيها مشاعة بين البشر وليس للسباحة فيها، كل حسب قوة ساعديه.. أي موانع وليس عليها قيود.. إنها مرتبطة بالوجدان ودرجة الرهافة التي يمتلكها، وباستطاعة أي فرد أن ينسج المعنى الذي يريده منها.. ضيقاً كان أو متسابقاً مع الفضاء في الاتساع.هل كان يقصد كلمات شاهقة محاطة بالمهابة الميتافيزيقية تلك التي تمشي في الذهن بكبرياء مثل: فلسفة ويقين، أم الكلمات ذات الأجنحة الكبيرة مثل الشك وثرثرة الاحتمالات؟طبعاً هو كذلك لا يقصد هذا النوع من الكلمات إذ ليس حولها قناصون يحملون البنادق ومن السهل على من لا يحتمل ثقلها أو خفتها أن يمر عليها بسرعة.وإذن ماذا يقصد؟لا تردد عندي في أنه يقصد تلك الكلمات التي يثبت الإنسان بتحققها أنه إنسان مثل: الحرية والاستقلال الذاتي والتمرّد على القطيع.. فهذه الكلمات وأخواتها هي التي أقيمت حولها الأسوار طوال التاريخ وهي التي لا تزال حتى الآن تصاغ لها السلاسل من كل نوع .. ومع ذلك فهي تحطمها وتبقى شامخة فكأنها ما عناه الجواهري بقوله:==1==سلام على مثقل بالحديد==0====0==ويشمخ كالقائد الظافركأن القيود على معصميه==0====0==مفاتيح مستقبل زاهر==2==بدأ وأد الحرية منذ بدء الاستغلال في المجتمع البشري ليس فقط للخيرات المنتجة بالجهد المشترك للناس.. بل باستغلال الفرد نفسه وترويضه بل تحويله إلى آلة بيد الأقوى أي بيد السيد، وقامت الثورات التي هي الوجه السافر للتمرّد طوال التاريخ لمقاومة هذا الوأد المدمر للأخلاق السوية.نرى الآن بأمّ أعيننا وأبيها مجتمعات ترفرف عليها الحرية وإن تكن ناقصة.. ذلك لأن الحرية أوسع كثيراً من وضع الأصوات في صناديق الاقتراع.. إنها أوسع من مجرد العيش وحده.. إنها التحرر من أي نوع من أنواع الخوف، الخوف من فقدان الأمن النفسي والاقتصادي.. الخوف من المستقبل.. الخوف من أن تقول (لا) في وجه الطوفان.ولكن مع ذلك هي أجمل حياة وآمالاً من مجتمعات أخرى لا تزال لا ترى في قاموسها العملي كلمة الحرية.إنها تسمع بها فقط. Mali@alyaum.com