خليل الفزيع
الطماطم من المنتجات الزراعية التي تنوعت أسماؤها العربية، ومن هذه الأسماء «المجنونة» كما يطلق عليها في مصر الحبيبة، قد يبدو هذا الاسم غريبا، لكن من تقوده قدماه إلى سوق الخضار هذه الأيام سيتأكد من صحة هذا التسمية، فالطماطم أثبتت بالفعل أنها مجنونة بسبب ارتفاع أسعارها ليزيد ثمن الكيلو من الطماطم على عشرة ريالات، وهو رقم جنوني مقارنة بأسعارها قبل رمضان، وعندما جاء رمضان قلنا إن ارتفاع الأسعار الرمضانية وراء جنون الطماطم أقصد جنون أسعارها، وانتهى رمضان وتوقعنا كالعادة انخفاض أسعارها، لكنها بدلا من ذلك ازدادت لتصل إلى ما وصلت إليه، دون أن تلوح في الأفق بوادر تطمئن عشاقها من هواة «السلطة» التي تشكل الطماطم أحد عناصرها. المسألة ليست مسألة طماطم مع أنها منتج محلي إلى جانب ما يستورد منها فلا مبرر لارتفاع أسعارها، لكن المسألة أن هذا الغلاء شمل كل أنواع الخضار الضرورية لغذاء الإنسان، وعندما نقول الغلاء فلأن الأسعار تجاوزت الحدود المعقولة والسائدة في الدول الخليجية المجاورة، مع أن هذه الدول تستورد بعض المنتجات الزراعية من بلادنا وتباع هناك بأسعار أقل مما هي عليه في بلادنا، فما السر في هذه الإشكالية التي تبدو معقدة؟ السر يكمن في جشع التجار غير المحدود، وهو جشع يتنامى في ظل غياب الرقابة الصارمة على الأسعار، وفي ظل غياب المسئولية لدى الجهات الرسمية المختصة بذلك، وهو أمر يدفع ثمنه غاليا المواطن الذي لا يجد من يشكو له غير الله.المواد الاستهلاكية ترتفع أسعارها بشكل مطرد، وهي أسعار لا تعرف العودة إلى الخلف أبدا، بل هي في ارتفاع مستمر ولا حسيب ولا رقيب، ومن لا يرضى بالأمر الواقع فليضرب رأسه بالحائط، هذا هو منطق التجار الذين نذروا أنفسهم للجشع، وكأن بينهم ميثاقا غير مكتوب ينص على تفريغ جيوب المواطنين من محتوياتها، حتى أصبح هم معظم المواطنين هو توفير لقمة العيش، مع الشعور بقسوة تلك السياط التي لا يعرف المواطن كيف يتفاداها بسبب تعددها، ومنها ضعف مستوى دخل الفرد، وضآلة الرواتب في معظم الوظائف العامة، وضعف الزيادات التي لا تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وكذلك مصاريف الحياة الضرورية، بما فيها مصاريف الخدمات الحكومية التي يفترض أن تقدم مجانا للمواطن، لكنه مجبر على دفع رسوم متعددة في مجالات لا غنى له عنها.عندما ارتفعت الأسعار نال الغلاء السمك في البحرين ليصل سعر بعض أنواعه إلى ثماني «روبيات» «للربعة» والروبية عملة هندية كانت مستعملة في البحرين وبعض دول الخليج، والربعة وزن يساوي أكثر من أربعة كيلوجرامات، عندها ثارت ثائرة الشاعر البحريني عبدالرحمن رفيع لينشد قصيدته العصماء التي ندد فيها بارتفاع أسعار السمك، قائلا :الله يجازيك يا زمانالشعري الربعة بثمانو»الشعري» نوع من أنواع السمك في الخليج، وأن تصل الربعة إلى ثماني روبيات، يعني أن يكون الكيلو بريالين تقريبا، وهذا ما أثار حفيظة الشاعر الرفيع ليهاجم ارتفاع الأسعار، فما سيقول الآن وكيلو الطماطم بعشرة ريالات، أي أن كرتون الطماطم زنة أربعة كيلو بأربعين ريالا، وقبل سنوات كان هذا الصندوق يباع بخمسة ريالات فقط لا غير وربما أقل.مرة أخرى المسألة ليست مسألة طماطم فهي مادة غذائية يمكن تعويضها بمواد غذائية، أخرى لكن المسألة مسألة غلاء فاحش، وأجهزة حكومية لا تراقب، ومواطن لا يعرف كيف يصرف راتبه الضئيل. فهل الطماطم هي المجنونة؟ أم التجار هم المجانين؟ أم المواطن الذي يصر على أكل الطماطم بدل أن يأكل شيئا آخر؟.khalfizaia@alyaum.com