مطلق العنزي

مطلق العنزي

الوطن أخضر .. بلون سعف النخيل..وشاهق بقامة ذرى جبال السروات ومرتفعات الجنوب.. وشاسع بطول صحاري نجد ومد الشمال.. ومتواصل بامتداد الخليج وشواطئ البحر الأحمر..ورياح الشمال. دفقات النسائم العليلة وواحات الدهناء، وقامات نخيل الوادي الخصيب، وشذى الخزامى ورقص الإثل والآراك، وثرى القصيم، وآذان البيت العتيق، وعطر مدينة الرسول المنورة، وصهيل خيول الماجدين، ومهج شعراء خالدين سجلت كل نبض الحياة وثرى الأرض.كل ذلك يشكل اللوحة الرائعة.. وهذه البهجة.. وكل هذا الشموخ.كل الرائعين ابتهجوا.. ملأوا هذا المد من الثرى بأفراح وأحزان وروائع الحكماء.. وخلدوا أماكن غيبها الزمن واختطفت منها المدن الحديثة وهجهها.كان أمرؤ القيس، الملك الضليل ، ذو المهجة الخلابة، يخلد الأرض، أو تشبث بخلود الأرض..قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِهل رأيتم سقط اللوى؟.. ورماله الذهبية تمتد بين هضاب الدخول (جنوب الدوادمي) بينما حومل يعانق الدخول ويناظره إذ يصافح رياح الشمال، وكأنه يزهو بصوت الشاعر المجيد.أما غيلان ذوالرمة، الشاعر الجائل بطول الصمان وجنوب الربع وفيافي نجد والمهموم بالأماكن والأرض، فقد سجل لـ«ثاج» المدينة التاريخية السلوقية الغابرة (غرب الجبيل) حضورها البهي:دَعاهُنَّ من ثَـأْجٍ، فأَزْمَعْنَ وِرْدَه، أَو الأَصْهَبِـيَّات، العُيُونُ السَّوائحُوخلد غيلان يبرين الواحة الهادئة في ضفاف الربع الخالي:إِذَا أمْسَتِ الشِّعْرَى الْعَبُورُ كَأَنَّهَا مهاة ٌ علتْ منْ رملِ يبرينَ رابيا ولم ينس غيلان «رماح» البلدة الغافية في أطراف الدهناء شمال الرياض، وجوار حزوى، حيث دفن هذا الصداح الخالد:كأن نعاج الرمل تحت خدورهابوهبين أو أرطى رماح مقيلهاوكان غيلان، وقد عاش في بداية العهد الأموي، لا يمر بموضع إلا وضمنه في قصيدة حتى إذا ما أحصينا الأماكن في شعر هذا البدوي النجاع، لأظهرنا خريطة لمدن وقرى نجد والصمان والمنطقة الشرقية. ولو أحصينا أسماء النباتات في شعره لوجدنا شعره رياضا وبساتين غناء.هذه فقط قطعة من الروح التي تنبض بالحياة الفواحة، ويرددها صداها وأسماها كل العرب من الموصل في العراق إلى طنجة في المغرب. هذا بعض من خلود الوطن والرجال الذين التحموا بثرى الأرض، هماً ووجدانياً وجسداً.ترى لو كان أمرؤ القيس، وغيلان، وزهير بن أبي سلمى، وطرفة، وعنترة، وعمرو بن كلثوم، والأعشى، ولبيد، والمجنون.. لو كان هؤلاء حاضرين اليوم.. ماذا سيقولون؟ربما سيؤذي أبصارهم وهج النيون والزجاج وبعض من قسوة الحياة العصرية.. ولكنهم سيغنون لشموخ الكيان الأخضر.وسيمزجون لون العلم، بلون النخيل، والريضان، وشموخ الجبال. وكل هذا الحداء التاريخي، ومهجة عبدالله المليك الحاني الرائع، خادم الحرمين الشريفين، وخادم الأمة، الصافي النية، الأبيض القلب. وسيرسمون لوحة التاريخ الخالدة: ثرى وأنفاس وأناشيد ومهج وأعراف خيل، وشعور عذارى وقامات نخيل وأثل، وجهود قادة. وترفي ذكرى الوطن.. من الماء إلى الماء.. ومن النخيل إلى النخيل.. يكتب الخلود، إذ يغني سراة الوهاد لأقمار العلو، ويبتهج البحارة المتعبون بلقاء المرافئ، ويسرد الوطن حكاياته، بصهيل الخيل، وأناشيد الخالدين.سنموت.. وتمتزج أجسادنا بثرى الوطن.. وهذه أوثق العرى.malanzi@alyaum.com