خليل الفزيع
انتشرت ظاهرة السرقات بشكل لافت للنظر, واصبح الناس يرددون حكايات اغرب ما تكون الى الخيال لتفنن اللصوص في اساليب ارتكابها, واختيار الأوقات المناسبة للإقدام على فعلتهم الشنيعة, فاختطاف الجوالات من المتحدثين او المتحدثات والسطو على اسطوانات الغاز, وخلع الابواب الألمنيوم من المنازل والعمارات, والطامة الكبرى سرقة السيارات, او الاكتفاء بكسر زجاجها لإفراغها من محتوياتها, كلها حوادث يعرفها المواطنون, كما تعرفها مراكز الشرطة.لي صديق مصري كان يرد على مكالمة في الجوال, يسير في احد شوارع الدمام وهو آمن ومطمئن, وفجأة مر به راكب دراجة هوائية, واختطف الجوال وفر هاربا, فلم يملك الصديق المصري الا ان ينطلق خلفه وهو يصرخ مستنجدا ومرددا: (حرامي.. حرامي.. حرامي) لكنه لم يتمكن من اللحاق بصاحب الدراجة, ولم يلتفت الى استنجاده احد.قال لي: اتعرف؟ في مصر عندما يسمع الناس كلمة حرامي, يتركون ما بأيديهم من اعمال, وينطلقون خلف الحرامي, بالعشرات وربما بالمئات الى ان يدركوه ويشبعوه ضربا, حتى لا يقدر على النهوض الا بشق الأنفس.قلت: ذلك في مصر.. اما هنا فإن الناس لم يتعودوا على السرقة, ثم انك لن تجد في الشارع سوى الهندي والباكستاني والفلبيني وغيرهم من الآسيويين الذين لا يريدون التدخل.. خوفا على انفسهم, اما المواطن فهو مشغول بنفسه, وربما في تلك اللحظة لم يوجد احد من المواطنين في نفس الشارع, ثم قلت ضاحكا: احمد ربك انك لم تسرق بكاملك, فإنك لن تجد من ينقذك.ترى ما سبب انتشار ظاهرة السرقات في مجتمعنا؟ سؤال كنت اتمنى ان يحظى باهتمام اكبر من الجهات المعنية على المستوى الأمني والمستوى التربوي والمستوى التشغيلي, فلا شك في ان مثل هذه الظاهرة هي احد افرازات البطالة المتفشية بين الشباب والمتزايدة نسبتها عاما بعد عام, وكذلك غياب الرقابة الأمنية الصارمة حيث يفترض تكثيف الدوريات الأمنية في الأحياء السكنية والشوارع وبشكل متواصل, علما بأن انخراط اعداد جديدة من شبابنا في هذا المجال سيوفر عددا لا بأس به من الوظائف, وعلى المستوى التربوي مازالت وسائل التوعية قاصرة عن استيعاب القيم الاسلامية التي تشكل حصانة للشباب.. تبعدهم عن الانحراف كممارسة السرقة وغيرها, اما توفير فرص العمل فمازالت البرامج المعدة لهذا الغرض بحاجة الى وعي المسئولين في المؤسسات والشركات الأهلية, اذ مازال بعضهم غير متجاوب مع هذه البرامج بالشكل الذي يحقق اهدافها, ولا اعرف لماذا يستثنى القطاع الحكومي من برامج تشغيل الشباب, باستثناء الوظائف الرسمية, علما بأن قطاعات الخدمات في الدولة قادرة على امتصاص جزء كبير من العاطلين عن العمل.كل ذلك لا يمنع من الاشارة الى حقيقة لا يمكن انكارها وهي: ان تهاون بعض المواطنين في المحافظة على ممتلكاتهم, يؤدي الى تعرضها للسرقة, بل ان هناك من يصل تهاونه الى درجة الإهمال بناء على حسن النية, او حسن الظن, دون الالتفاف للمتغيرات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع في ظل معطيات الواقع, وسطوة القيم الاستهلاكية على جميع نواحي الحياة, مما يدفع لطرق كل الأبواب بحثا عن تأمين متطلبات الحياة الجديدة, ومالم تستجب البرامج والخطط التنموية لاستيعاب العاطلين عن العمل وتوفير مجالات الشغل المتنوعة, فإن ظاهرة السرقات ستتفاقم ضمن سلبيات عديدة ناجمة عنها.لسنا مجتمع ملائكة, وكما نحارب الأمراض والأوبئة, لابد ان نحارب الظواهر السلبية في المجتمع, ومنها السرقات, وبشتى الوسائل واقساها واكثرها فاعلية وتأثيرا, ودون تهاون في تطبيق حدود الله ضد من يرتكب هذا العمل وغيره من اعمال الافساد في الارض, والسرقات الصغيرة شأنها شأن السرقات الكبيرة, وهي المؤدية الى السرقات الكبيرة عندما تصبح عادة تفرخ العصابات, وتغذي الجريمة, وتوفر البيئة المناسبة للانحرافات المختلفة حمى الله مجتمعنا ووطننا من كل شر.khalfizaia@alyaum.com