محمد العلي

محمد العلي

الضحك من أجمل صفات الإنسان لانه يرتبط بالدهشة، أي بحالة من حالات الطفولة او الشعرية، ولك ان تجعل خيالك أكثر أجنحة وتمد هذه الصفة الى سائر الاشياء.. بل وحتى المفاهيم، فهي كلها قابلة للانسنة.. (فتبكي وتضحك لاحزنا ولا فرحا) وحين نقوم بهذه الانسنة ثم نسأل أي الاشياء اشد ضحكا وأطول دهشة.. فسيكون الجواب بدون شك : هو التاريخ.يقول ابن خلدون :(اعلم انه لما كنت حقيقة التاريخ انه خبر عن الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الاحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الاحوال... ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه فمنها التشيعات للآراء والمذاهب.. الخ).ما هي أحوال الاجتماع الانساني الذي هو موضوع التاريخ؟هي: التوحش/ التأنس/العصبيات/ التغلبات/ التشيع للآراء والمذاهب/ ما يفرزه العمل اليدوي والذهني من العلوم والصناعات.التاريخ كان جالسا على كرسيه الذهبي وهو ينظر الى هذه الأحوال ثم يستمر في ضحكه المتصاعد حتى كادت مرارته تتمزق.خاض الإنسان آلاف السنين وهو في مرحلة التوحش.. عاش في صراع دائم من اجل البقاء.. والتاريخ بدأ الضحك منذ تلك المرحلة ثم دخل الإنسان في مرحلة التأنس، والتاريخ ينظر ضاحكا الى سلم هذا التأنس كيف يصعد عليه الإنسان درجة فأخرى ويرتفع ويسقط.ثم دخل الإنسان مرحلة العصبيات بعد ان تميزت التجمعات واختلفت مصالحها.. والعصبيات هي افراز لمرحلتي التوحش والتأنس معا.وبعد فيضان البشر على الأرض مدت التغلبات أعناقها وبدأت سيول الدماء في التدفق وها هي حتى الآن في ازدياد ومازال التاريخ يضحك.أما التشيع للآراء والمذاهب الذي اعتبره ابن خلدون الباب الواسع لدخول الكذب الى التاريخ.. فهو اشد المراحل بعثا لضحك التاريخ وغير التاريخ.. وحين نقرأ فقط تاريخ اوروبا وما حدث فيها من الصراعات بين الآراء والمذاهب.. تأتيه القناعة بكامل شبابها بان مرحلة صراع المذاهب والآراء التي لم يبدأ انحسارها إلا في زماننا هذا حيث شن العلم غاراته على الميتافيزيقا. إن هذه المرحلة هي أشد المراحل عبثا وغثيانا وبالتالي امتدادا للضحك.مثلا :في عام 1616م أصدر البابا فتوى بأن كل من يقول بصحة نظرية كوبرنيكوس هو كافر زنديق ودمه حلال.. وهكذا.Mali@alyaum.com