مطلق العنزي

مطلق العنزي

كان يمكن أن يكون العيد عيداً لو أن في العالم رجلاً رشيداً، ولو أن الأبالسة أعوان الشياطين عيدوا لتركوا العالم يعيش بسلام.كيف يكون العيد عيداً والإبليسيون يكثفون جهودهم ونشاطاتهم، فهم لا يتخيلون يوماً دون دموع، وشلالات دم وثكالى وأيتام ومناحات.. وقبور.. ومزيد من القبور..قطعاً، الرشيدون يملأون الأرض، ولكنهم وحيدين، مغيَّبين، لأنهم فوق الأرض، وفي ضوء الشمس، ووضوح المحجة، وبهجة القلب، بينما الإبليسيون ينهمكون في تدبيراتهم في الظلام، وتحت الأرض، وفي أتون القيح.كم عدد المسلمين الذين قتلوا بأيدي مسلمين في أيام العيد؟ في العراق وأفغانستان وباكستان واليمن والصومال، وجمهوريات القوقاز. وكم عدد المسلمين الذين قتلوا معنوياً بالنميمة والكره والأحقاد؟كم بلد إسلامي استعدت فيه سلطات الأمن تحسباً لـ(الهدايا الجنائز) التي يفكر «المجاهدون» أدعياء السلفية بتقديمها إلى المسلمين في أيام أعيادهم؟..من المفجع أن يفكر مسلم في يوم العيد أن يزهق أنفساً وينشر النواحات والمآتم بين عباد الله، بدلاً من أن يجاهد النفس ويذكر الله ويبارك للناس أعيادهم وفرحتهم، ويستغفر لهم ويطلب لهم العفو من الله والعافية في الدنيا، ويجتهد في نشر الخير والكلمة الطيبة وإشاعة السلام والمحبة بين بني الإنسان.وفرنسا «الحرة» أهدت مواطنيها المسلمين، ومواطناتها المسلمات، والمسلمين، هدية العيد، بأن حظرت النقاب.. شكراً لبلاد الحرية وفولتير وروسو وحقوق الإنسان، والملاحظ أن الجمعية الوطنية (البرلمان الفرنسي) تداولت موضوع حظر الحجاب في شهر يوليو الماضي، أي في الذكرى الـ221 لسقوط سجن الباستيل، الحدث الذي مهد للحرية في فرنسا وإعلان حقوق الإنسان. ولا أعلم هل كان التاريخ مقصوداً أو بالصدفة، لكن الأرجح أن بناة الحواجز بين بني الإنسان والمشائين بالكره يتقصدون إيذاء الناس في مناسباتهم الغالية وذكرياتهم الجميلة.المحافظون الفرنسيون المهووسون بعقيدة الانتقام صادروا فرنسا وحريتها وتاريخها فانخرط البلد الكبير في حرب ضد نقاب ترتديه طفلة مدرسة أو ربة منزل، بدلاً من أن ينخرط في حرب ضد الظلم والطغيان والفقر والمرض والجوع وغيرها من التحديات التي تهدد الإنسان في كل مكان، بما في ذلك فرنسا نفسها.وتيري جونز قال إنه لم يقرأ القرآن الكريم ولكنه «يرغب» بإحراق نسخة من المصحف الشريف، وصفق المحافظون الأمريكيون وغيرهم لهذا المهووس الوضيع الجاهل الانتهازي الذي قدم عرضاً مسرحياً سخيفاً. وكان صوت جونز أعلى من كل الأصوات الحرة التي أدانت وَضَاعته، لأن الرشيدين مغيبون، ويتنفسون بصعوبة، بينما المهووسون دعاة الكره يهيمنون على الحياة على الرغم من كل هذا الكم من نور العلم والمعرفة الذي يضيء جوانب الأرض. ولكن النور الشفاف لم يقاوم الظلمات الغليظة التي ينسجها هؤلاء الظلاميون الذين يجهتدون في تلوين عالمنا بالسواد والكره والدموع والدماء ونواحات المآتم.وترالثكلى التي خطف الظلام طفلها تملأ فضاء الدنيا نواحاً، وفي قلبها طعنة الغدر..اليتامى يتساءلون.. يا أبانا، المهجة الحنون الذي غاب، لم تأت للعشاء.. من هدايا العيد..وداعاً..الأبرياء من تحت الأنصاب يضجون: لماذا تصادرون الحياة؟malanzi@alyaum.com