عيسى الجوكم

في الصميم

** وقفا في طابور طويل ينتظران دورهما للوصول لمحطة الديربيات التي يشار لها بالبنان .. كانت معاركهما عبر المستطيل الأخضر لسنوات طويلة تقام بعيدة عن الأضواء .. ومع ذلك تميّزت بحضور لافت وساخن ومثير على أقل تقدير من حيث الكثافة الجماهيرية ..!!** اختلف جمهورهما على "الزمكانية" وهو مصطلح أدبي يشير إلى لحمة الزمان والمكان معاً .. دون تفضيل أحدهما على الآخر .. ويبدو أن هذه اللغة في الاختلاف وصلت إلى ذروتها هذا الموسم .. مع طفرة الفضائيات، وتسليط الضوء على الكرة القصيمية التي سجّلت حضوراً جماهيرياً أضاف الكثير لدوري زين للمحترفين ..!!** وتبرز لغة المكان والزمان في أجندة أنصار الفريقين في تغني التعاون بوصوله لنهائي كأس الملك عام 1410هـ .. والرائد بمسيرته في الأضواء التي وصلت للرقم (11) مقابل ثلاث مرات فقط للجار السكري ..! ! ** ولغة الأرقام .. أيضا حاضرة وبقوة في أذهان عشاق كرة بريدة .. فالرقم خمسة تكرر في أكثر من مناسبة جمعتهما .. وكتب السطر الأول فيها الرائد عام 1385هـ بفوزه بخماسية مقابل هدف واحد .. وتكررت الخماسية له عام 1422 هـ، ولكن هذه المرة سجّل التعاون أربعة أهداف .. وردّ التعاونيون الفاتورة الأولى عام 1416 هـ بالفوز بخماسية مقابل هدف واحد .. فهل تتجدّد لغة الخماسيات بين قطبي بريدة .. ويُعيد التاريخ نفسه .. ولكن لمن؟ ثالثة لرائد التحدي أم ثانية لسكري القصيم؟!!** وبعيداً عن الزمان والمكان والأرقام .. فالمنطق يدفعنا إلى الاهتمام بديربي بريدة .. لأنه ديربي (حي) فيه حراك جماهيري يحاكي مواجهات الكبار .. وفيه إثارة عفوية غير مصطنعة .. حافظ عليها التاريخ والجغرافيا .. وفيه فعل وردة فعل .. ومولد لا ينفض بفوز وخسارة .. بل يستشري في تفاصيل المجالس والاستراحات ببريدة .. ومتعته أن "سواليفه" تمتد لما لا نهاية .. قصة فصولها مفتوحة .. فيها أجزاء متتابعة .. تفوق أجزاء المسلسل الشهير "باب الحارة" ..!!** ديربي بريدة لا يقلد أحداً .. فهو صناعة قصيمية له تراثه وخصوصيته .. وتزداد هذه الخصوصية بالعفوية والبساطة لأنصار الفريقين .. فهم من على المدرجات مدربون وحكام .. وخلف شاشات الكيبورد كتاب ونقاد .. يتفاخرون بنجومهم .. ويتسلحون بثقتهم الكبيرة في "ديربهم" بأنه الأميز ..!!** وحتى نضع النقاط على الحروف .. فإننا من باب الإنصاف يجب أن نشير إلى أن فعالية جماهير الرائد والتعاون هي التي جعلت وسائل الإعلام تسلط الضوء على ناديهما أكثر من العوامل الأخرى كإنجازات الناديين أو نجومهما أو غير ذلك من العوامل الأخرى .. وجمهور "حي" كجمهور بريدة يستحق الإطراء والإشادة، لأنه نجح في إيصال الرائد والتعاون لمصاف الأندية الكبيرة .. ولولا تفاعله الصريح .. وحراكه الدؤوب لما كان ديربي اليوم أحد العلامات المهمة في دوري الأضواء السعودي. ** تجربة جماهير بريدة .. تجربة واقعية لباقي جماهير الأندية الطموحة التي ما زالت تقبع في دوري الأولى أو الثانية .. فهذه الجماهير أجبرت الجميع على احترام فريقهما .. وساهمت بالدرجة الأولى في حرص الجماهير الأخرى على اختلاف ميولها لمتابعة نزال بريدة ..!!** من يسهر على أحزان الآخر في الأمسية الجماهيرية المرتقبة ؟ وما السر الذي يجعل نزال بريدة بالدرجة الأولى جماهيرياً قبل أن يكون فنياً ؟ !!** من يغلق فمه .. ويبتلع الفضاء صوته ؟ من يلامس الجرح .. ومن يضع الملح على جُرح الآخر ؟!!** من يهدّد استقرار الآخر إدارياً .. فالفوز في نزال بريدة لا يعني مجرد الثلاث النقاط .. والخسارة لا تعني مثلها .. بل لها تبعات وذيول .. ومن يقل غير ذلك فهو لا يجيد قراءة الرائد والتعاون في التفاصيل ويكتفي بالقشور فقط ..!!** لن أتحدث عن الحظوظ والنجوم .. ولن أذهب بعيداً في سرد الجمل التكتيكية والفنية للفريقين .. لأن نزالاً بهذا الحجم الجماهيري يستدعي خيالا يراقب المباراة أولا عبر المدرجات .. فهذا النوع من اللقاءات نكهته الخاصة .. وخلطته السرية تكمن في جماهيريته ..!!