محمد العلي
أن يدعي شخص في فضائية ما بان حجارة نطقت بلسان عربي مبين بان المطر سيجيء بعد ثلاثة ايام يمكن ان يجد هذا الكلام له طريقا الى رؤوس بعض الناس فيكون تقيين الخرافة.. إحالتها الى يقين محدودا ويكون تكذيبه سهلا.. لكن ان يرتبط الكلام بالحدث.. ان يأتي المطر بعد ثلاثة ايام.. هنا ستتسع دائرة الرؤوس المصدقة.. ولا يكون هناك متسع لاحتمال الصدفة.لكن ان ترتبط تنبؤات المتنبي الجديد (الإخطبوط بول) بالفوز بكأس العالم لكرة القدم.. هنا ستكون المسألة مختلفة لان مشاهدي كرة القدم ينتشرون في الأرض ومن جميع الثقافات والمجتمعات متقدمة او متخلفة.. هنا يتقدم السؤال: هل كل المجتمعات في مختلف الثقافات وفي السلم الحضاري فيها قابلية للخرافة واحالتها الى يقين؟بقيت امام هذا السؤال حائرا لمدة طويلة لم استطع فيها التوصل الى رأي مقنع.. الى ان قرأت للدكتور فؤاد زكريا النص التالي الذي انقله على طوله:«ركزت مدرسة التحليل النفسي جهودها في بحث تأثير اللاشعور في رؤية الإنسان للواقع واسهمت بذلك في استكشاف أسباب استمرار التفكير الخرافي في عصر العلم.لكن لابد من معرفة الظروف التي تبعث الخرافة من أعماق اللاشعور الى مستوى التفكير او السلوك الواعي ولابد ان تكون هذه الظروف منتمية الى طبيعة المجتمع ونوع القيم السائدة فيه والعوامل الاجتماعية المتحكمة في هذه القيم.وفي اعتقادي ان الشعور بالعجز هو العامل الأساس في ظهور الخرافة واستمرارها.. وهذا الشعور يتخذ اشكالا تختلف باختلاف البيئة والعصر.. ولكن نتيجته دائما واحدة هي : ان يلجأ الإنسان في تعليله للأحداث الى قوى لا عقلية تساعده على التخلص من مشكلاته تخلصا وهميا.شعور الإنسان بالعجز في العصور القديمة يتخذ شكل العجز عن الفهم والقصور عن ادراك العالم المحيط به.. اما العصر الحديث فبعد ان وصل الإنسان إلى معرفة تتيح له اجابات علمية عن الأشياء الأساسية التي كان يعجز من قبل عن فهمها.. فان المسألة لم تعد تتعلق بالعجز عن الفهم او المعرفة بل أصبح في مسار المجتمع وفي القوى المسيطرة عليه.. أي انه أصبح عجزا اجتماعيا.. وهذا ما يفسر استمرار ظهور الفكر الخرافي في مجتمعات لا يمكن وصفها بالجهل او ان الفقر يطمس عقولها .. ففي الدول المتقدمة تنتشر مظاهر واضحة للتفكير الخرافي».وإذن : هل لا مفر من الخرافة؟يبدو ذلك واضحا حين نرى ان بعض الفلاسفة خرافيون في المجتمعات الأكثر تطورا فما بالك بالمجتمعات التي تتنفس تحت الماء من الجهل والفقر والمرض؟ وما بالك إذا اجتمع الجهل والتجهيل والفقر والتفقير؟.mali@alyaum.com