سامي الجمعان

فيلم «عايـش».. يقينيـة المـوت في مواجهة أكذوبـة الحيــاة

يظل الموت مشكلة اجتماعية خطيرة لقدرته على تحدي احساس الناس بما هو حقيقي وواقعي، ولارتباطه بذواتهم المتجسدة وبعالمهم المحيط، ومن الواضح أننا جميعا نعيش بهاجس تلك المشكلة الوجودية، فجميعنا لم يتعرّف ولم يتعايش مع عالم الموت والموتى، إلا أن فيلم عايش تأليف واخراج عبدالله آل عياف وتمثيل ابراهيم الحساوي يستثني واحدا من ذلك الحكم، يستثني (عايش) ويجعله نقيضاً لأنماطنا. (عايش) حارس الأمن البسيط ووظيفته سادن لثلاجة الموتى بأحد المستشفيات، وهو رجل أغلق على ذاته باب الحياة وأوصده جيداً، فهو لا يعرف الحياة ولم يعشها ولم يحاول التعرّف عليها، ولكنه ضليع في مفهومة الموت، وتفسيره والتحاور معه وهو صديق الأموات لا الأحياء! الموت المعاشإغلاق عايش باب حياته جاء بلا إرادة منه فهو «رجل مقطوع من شجرة»، لا أب ولا أم، ولا إخوة، ويبدو أن هذه القطيعة القسرية دفعته ليصنع قطيعة اختيارية موازية فلم يتزوّج ولم ينجب ولم يقنع بأن يترك له سلالة تحمل اسمه. هذه اللعبة الفلسفية المتعمقة يقدّمها لنا فيلم عايش، القائم على فكرة عكس المعادلة في الحياة، فالحياة تصبح استثناء والموت يتحوّل إلى مدرك ومعاش وعادي، بينما الملاحظ أننا كبشر نهاب الموت ونخافه ونحتاط من الاقتراب منه حدّ الاسطرة والتعجيب، ألم نُحل المقابر إلى أساطير وأكاذيب فجعلناها مكانا ملائما للجن، وجعلنا القبور المفتوحة بسبب التعرية والرياح والأمطار قبور موتى غير اعتياديين، إذن نحن غير قادرين على التعايش مع فكرة الموت، ثقيلة هي على مشاعرنا، مؤذية لا نستطيع التخفف منها. الفيلم يطمح للإجابة عن مثل هذه الحقيقة المرة موضحاً أن الموت هو الحقيقة الوحيدة الثابتة في الحياة ولكونها حقيقة ثابتة ضعفنا أمام مواجهتها، وخفنا من موتانا حتى أن شاباً جاء إلى رجل الأمن (عايش) ليستلم جثة والدته ولكنه فرّ هارباً من جثة امه بمجرد أن تحرّكت يدها، وتلك حقيقة علمية ثابتة تقول إن الميت قبل ساعة أو ساعتين قد تتحرك بعض أطرافه. عايش يفلسف حقيقة الموت فلسفة أخرى ويصنع من خلال فلسفته غير الاعتيادية صدمة للذين يعشقون الحياة غير مدركين «أنه وبغض النظر عن التقدّم التكنولوجي في زمن الحداثة لا مهرب من حقيقة أن اجسادنا كيانات بيولوجية واجتماعية لا مهرب لها من الاحتضار والموت على حد تعبير (كرس شلنج). ثلاجة الموتى المكان الآمنمن هذه الفكرة الرائدة يصنع عايش الصدمة في انسجامه التام مع الموت وفكرته، فثلاجة الموتى مكانه الآمن والموتى أصدقاؤه الأوفياء، وصمت الموت المطبق هو سيمفونيته، والخوف عنده ليس من الموتى المسجاة أرواحهم بل من الأحياء النابضين حقداً.. وهو في مجمله خطاب ضدي يتمرّد على خطابنا السائد، وتكشف عنه لحظة انتقال (عايش) من عمله بمشرحة المستشفى إلى قسم الولادة فقط؛ لأن رجل الأمن غاب مضطراً فرأت إدارة المستشفى أن تنقل حارس ثلاجة الموتى عايش ليحلّ بديلا عنه .. ويا للدهشة! حين يتقابل خطابا الموت والحياة وجهاً لوجه كما يصوره الفيلم. هي لغة الدراما الفاتنة المثيرة حدّ استنفار الدهشة فينا، حفزتني لحظة مرور عايش في الممر الطويل بين قسم الولادة والمشرحة لأن أقترب أكثر من شاشة العرض، ممر طويل سينقل هذا الميت (مجازاً) إلى قسم ينبض بالحياة وبكاء المواليد، ومع كل خطوة تضرب فيها قدم عايش الارض يلحّ عليك سؤال باتجاه الحياة الأخرى:ـ كيف سيواجه عايش الحياة الآن؟ الحياة نعم وليس الموت الذي عاشه طوال حياته .. نعم كيف؟ وقسم الولادة يعني الحياة بكل تفاصيلها في حين ان قسم الموتى يعني الفناء بكل تفاصيله، قسم الولادة استمرارية وسيرورة وتناسل وأمل، حالة تواصلية لا يعرفها عايش البتة، حتى أنه نسي الحياة ونسي حيثياتها، فأنّى يجيد التعامل مع صوت الطفولة، وكيف يفهم لغة نغنغة المواليد.الحياة بين يدي حامل الأكفانيختزل الفيلم هذه المواجهة المصيرية بين الخطابين في لقطة مكثفة شاهدنا جمالياتها حين اضطر عايش لحمل طفل بين ذراعيه اللذين اعتادا حمل الأكفان والموتى، ولفرط دهشته وتبلده تجاه الحياة اكتشف أنه نسي ملمسها، نسي تضاريسها، نسي لدانة جلدها فبدا مترددا في حمل الطفل الوليد، ولأن الإنسان مجبول على حب الحياة، ولكون غريزته تدفعه دوماً صوب جنونها، جاهد عايش من اجل أن يحقق رغبة لمس الطفل لا أكثر، وهو الآن يستجمع قواه البليدة تجاه الحياة من جديد، مدّ يده إلى جبين الطفل ـ آسف إلى جبين الحياة ـ وقبلها ربما لأول مرة. استنفرت هذه اللمسة الجديدة طاقات هذا الرجل الميت مجازا كما قلنا، وبثت في روحه رغبة عارمة للاستجابة لحياته من جديد، فاحتضن دمية جميلة وركب دراجته وأطلق للريح عنانه، بينما النهار يلفه من كل جانب، وهو الذي لم يكن يعرف النهار مدى حياته، فخروجه ليلا، وعمله ليلا، وهويته الصمت والوحشة والسكينة ولكن هذه الانطلاقة الجديدة للحياة وفي عز النهار يظل لها تفسيرها الذي سنأتي عليه. يعود بنا الفيلم لحقيقة الموت وهيبة أسطورته، ويكشفنا أمام ضعفنا كبشر، فيطرح نموذجه المدهش عايش كلقطة مغايرة لما اعتدناه وألفناه، ليقول إن اقترابنا من الموت يعطينا القيمة الحقيقية للحياة، أما هربنا منه ومخاتلته وحرصنا الشديد على عدم الجلوس معه أو التعايش مع حقائقه هو ما يجعله بالنسبة للناس جبروتا لا يقهر، ونهاية مرعبة.. بل ويؤكد لنا حقيقة أن الاشياء تعرف بأضدادها.مفاهيم كثيرة خاطئة نحملها لأيقونة الموت .. والفيلم يسعى جاهدا لمعالجتها، على رأسها أن الخوف من الموت يضعف قدرتنا على التلصص على الحياة الحقيقية، القابعة وراء ستار المستشفى في قسم الولادة، فكم كانت اللقطة مبهرة حين حاول عايش أن يتلصص على المواليد الجدد فمنعه ستار الغرفة المغلق من هذه اللحظة الجديرة بالمتابعة، ولأن ستار الحياة لابد أن ينفتح على مصراعيه مهما كان حجم الموت وضخامته، وجدنا الممرضة تفتح دون سابق إنذار ستار الغرفة لتقع عين عايش فجأة على جمع غفير من المواليد الذين لا تزيد أعمارهم على عشر دقائق أو أقل، اشعر لحظتها بأن عايش ثقب زجاج النافذة بعينيه، حين أدرك ان مشروع الحياة ما زال مستمراً، وأن أسراباً من الناس قادمون إليها، حاملين مشعل الأمل والغد والمستقبل، فكل مولود جديد مشروع لتأجيل مشروع الموت والفناء، فهل أقنع ذلك عايش وأعاده للحياة؟الوعي بقيمة الحياة«عايش» فيلم يمتلك اسباب جودته برغم بساطة كل شيء، بدءا من التقنيات الفنية وانتهاء بأماكن التصوير، ومن اسباب جودته طرحه الفلسفي العميق المتوجّه صوب القضايا الوجودية والمصيرية، فكم هو مقلق أن تضع حياتك في مواجهة مع نقيضها اللدود.. الموت؟ وهذا يعني ان الفيلم انتمى إلى المشترك الإنساني .. فالإنسان بعمومه لحظتان .. بينهما مسافة، لحظة قدومه إلى الحياة، ولحظة خروجه منها، وخطورة الموت في كونه يأتي لاحقا، فهو المنتظر، وهو المقلق، فلماذا ذهب عايش بنفسه إلى تلك اللحظة الأخيرة وتجاهل المسافة الفاصلة بين ولادته وموته، وأعني بتلك المسافة حياتنا التي نكبر فيها، نتزوج، نتناسل، نصنع مجدا؟ أو لنعكس السؤال بحثاً عن إجابة مقنعة ولنقل :ـ كيف تناسى الناس لحظة الموت الأخيرة وانغمسوا في الحياة؟ وهنا مكمن الروعة في تجربة فيلم عايش، فعودته إلى الحياة لم تكن اعتباطاً، بل العودة القائمة على الوعي بالحياة وبقيمتها، كونه جرّب الموت وعايشه، وأدرك معانيه، كونه لم يعد يهابه لذا سيكون أكثر المستمتعين بحياته القادمة، والآن حينما يطلق روحه باتجاه الحياة من جديد سيكون أكثر قدرة على قطع مسافتها « فالحياة حلوة .. بس نفهم حقيقة الموت».