نجيب الزامل
.. انتظر العالمُ حتى شهر يوليو من العام 1957م ليعلن العلماء خبرا سيهز طبيعة العادات الحياتية في الولايات المتحدة وبقية الدنيا .. ويغير الأنماط الاجتماعية، والاقتصادية، والنظامية والقانونية، والصحية، والمعرفية من بعد..الإعلان الذي فاجأ وأخاف الناس : التدخين ثبت بالبحث والدليل أنه مسببٌ رئيسٌ للسرطان.نعم هذا الخبر الذي فجر عالم التدخين التجاري نراه الآن شيئا عاديا، ولكنه غير أشياء لم يكن يحسب لها أو يتوقعها الباحثون الأنثروبولجيون والاجتماعيون والراصدون الصحيون.قبل ذلك اليوم كانت الخمسينيات من القرن العشرين عهدا ذهبيا للتدخين، ولصناعة التدخين، وكان منجم ذهب قال عنه أحد أساطين التبغ في أمريكا (وهو رئيس شركة كـَمـِلْ للتباكو) إن ثروات التدخين أكبر من كل الثروات الأسطورية من الإلدورادو، مدينة الذهب، إلى حمى الذهب في الغرب الأمريكي.. وكان صادقا فعلا. فجأة صارت شركته من أكبر الشركات تأثيرا ليس في الدوائر الحيوية في أمريكا بل تحكمت بدول كاملة مثل كوبا، وجمهوريات الموز، وأول ما ظهرت مارلين مونرو، وألفيس بريسلي، وجون دين، أيقونات الشخصيات الاحتفالية الهوليودية بالخمسينيات كانت سيجارة "كَمِل" هي التي تتموضعُ بخيـَلاءٍ على شفاهم .. وكبار النجوم مثل فرانك سيناترا (ممثل ومطرب الأربعينيات) ورونالد ريجان (الممثل الذي صار رئيسا لأمريكا لدورتين) هما من أطلقا شركة سيجارة "لاكي سترايك" في أكبر حملةٍ إعلانية باذخة في تاريخ الإعلان حتى آنذاك!.وقاومت الشركات بضراوة وسفحت الملايين، ووظفت معاملَ وبحاثةً آخرين، وخرجوا بنتيجة تنقض ما قاله العلماء المحايدون.. ولكن الغيورين والمنقطعين لكشف أحاييل تلك الديناصورات نجحوا في إثبات العلاقة المرضية، وخسرت شركات التبغ أول معركةٍ كانت أولَ الأسافين التي دُقت في عرشها الذهبي .. ثم جاءت حملةٌ أخرى أثبت العلماءُ فيها أن التدخين ليس عادة، ولا ممارسة يومية، بل هو مرض إدماني .. على أن الذي غير حملات الحرب الضارية بين مكافحي التدخين وشركات التبغ العملاقة كان طبيباً لرمز التدخين بالأربعينيات، والتي كانت شهرته مع سيجارته "اللاكي سترايك" فاقت شهرته كممثل .. إنه الدكتور "إيفرت كوب" الذي عينه "ريجان" "رجل لاكي سترايك" في العام 1982 طبيبا خاصا له وهو على سدة الرئاسة الأمريكية .. هذا الرجل هو الذي هندس حربا أوجعت المارد، وضربته من أضعف خواصره، تماما مثل ما حصل لأخيليوس البطل الذي لا يقهر في إلياذة هومير.. "د. كوب" جاءهم من مكان موجع، من الكعب الضعيف المكشوف، وأعلن عن بحوث تثبت مسألة الإدمان، والإدمانُ، أي إدمانٍ كان، مرضٌ بحد ذاته، وصار "كوب" يوغل في إدخال رمح الإدمان في عمق المنطقة المفتوحة والغافلة في كيان التخليقات الهائلة لأباطرة التبغ .. ومرة أخرى تتهاوى تلك الشركات بعد حملات قانونية ومحاولات لاستئجار جيوش من الخبراء خسرت فيها البلايين، ثم جاءت الضربة على الدماغ لما دفعت الشركاتُ قيمة معنوية بمبالغ فلكية لما حاق في الأمة الأمريكية من أضرارٍ وخسائر جراء ما يصنعون.وانخفضت نسبة المدخنين في أمريكا من أكثر من خمسين بالمائة من المدخنين البالغين في الخمسينيات إلى ثلاثين بالمائة بالثمانينيات، والآن النسبة لا تتعدى العشرين بالمائة.. واعلـَمْ أن السيجارة محرّمة تماما في كثير من الولايات الأمريكية، وبعض مدن القاطع الأوسط قفلت البابَ الذي يأتي منه الريح، ومنعت إحضارها بالأصل..انظر الآن في بلادنا؛ كان المدخنون في الثلاثينات رقما قريبا للصفر، ثم على نهاية الأربعينيات كان رقما لم يبتعد عن ذلك.. وكانت النساءُ المدخنات صفرا حتى العام 1970م، والآن نحن الأكثر تصاعدا بيانيا في العالم..أخيراً تفوقنا على أمريكا!najeeb@sahara.com